الصفحة الرئيسية

بيانات الكتاب

الكتاب: معجزات حسية

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الثانية، 1437 هـ

عدد الصفحات: 583

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

التعريف بالكتاب

هذا الكتاب من الكتب التي حاولت فيها من خلال الأدلة الكثيرة - أن أبين البراهين الدالة على صدق رسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأن كل ما في الكون يدل عليها.

وهي تختص بالخوارق التي خرقها الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم  ، كما خرقها قبل ذلك لرسله عليهم الصلاة والسلام، لتكون دليلا على توليتهم من الله تعالى لذلك المنصب الخطير الذي من خلاله يعرّفون بالله، وبالطريق إليه، وبحقائق الوجود.

وقد رجعت لإثبات ذلك إلى كل المصادر التي نقلت الخوارق المختلفة سواء لدى هذه الأمة أو لدى من قبلها من الأمم، وخصوصا اليهود والنصارى، ولهذا قارنت بين كل نوع من أنواع الخوارق مع مثيلاته لدى المسيح عليه السلام خصوصا، ولدى أنبياء بني إسرائيل عموما، وذلك لإثبات أن رسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  لا تختلف مع سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 9]

فهرس المحتويات

فهرس المحتويات

المقدمة

البداية

أولا ـ إرهاصات

قبل الميلاد

انتظار طويل:

حماية الكعبة:

عند الميلاد

نجم محمد صلى الله عليه وآله وسلم:

أحداث كبرى:

أنوار الميلاد:

بعد الميلاد

غلام له شأن:

رؤى صادقة:

عصمة النشأة:

ثانيا ـ بركات

الصحبة المباركة

بركاته على أهل بيته:

بركاته على أصحابه:

اللمسات المباركة

الولائم المباركة

الأطعمة المباركة

المياه مباركة

آبار وعيون:

تكثير الماء:

نبع الماء:

عذوبة الماء:

ثالثا ـ دعوات

شفاء

حاجات

استسقاء:

رزق:

حفظ:

تأليف:

أدعية مجربة:

بركات

رابعا ـ نبوءات

نبوءات من الكتاب المقدس

نبوءات عن المسيح:

نبوءات ملفقة:

نبوءات خاطئة:

نبوءات من القرآن الكريم

أنباء من الماضي:

قوم لوط:

ملوك مصر:

قوم سبأ:

قوم ثمود:

أنباء الحاضر:

أنباء المستقبل:

انتصار الروم:

انتصار الإسلام:

عصمة الله لنبيه:

غزوة بدر:

فتح مكة:

الثبات على الكفر:

إذلال اليهود وإفسادهم:

العداوة بين المسيحيين:

الكشوف العلمية:

4 ـ نبوءات لم تحدث بعد:

نبوءات من السنة المطهرة

أحداث معاصرة

الشر الخفي:

أحاديث خفية:

أحداث خفية:

تحديات غيبية:

شهداء وانتصارات:

أخبار الصحابة

أعمار ووفيات:

بلايا ومحن:

عطايا وامتحانات:

أخبار التابعين

أخبار الفتن

الفتنة الأولى:

ظلم آل البيت:

قتل الصالحين:

عزل الأنصار:

تفريق صف الأمة:

الفتنة الآخرة:

ظهور الدجالين:

الحكام المستبدون:

القتال بين المسلمين:

فتن المتطرفين:

غربة الدين:

وهن الأمة:

فتوحات وبشائر

فتح الجزيرة العربية:

فتح مصر:

فتح العراق وفارس:

بشائر مرتقبة:

ظواهر وسنن

الانحراف الديني:

التطرف والغرور:

الاهتمام بالمظاهر:

التجارة بالدين:

رفع العلم:

الانحراف الاجتماعي:

فشو التقليد:

تخلخل العلاقات:

سلام الخاصة:

الانحراف الخلقي:

رفع الأمانة:

رفع الحياء:

التبرج:

التطور المادي:

الاهتمام بالعمران:

تقارب العالم:

وسائل النقل:

المعادن الجديدة:

نطق الكائنات:

نهاية الدنيا

تاريخ الساعة:

أشراط الساعة:

خامسا ـ تحديات

الخوارق والألوهية

الخوارق والنبوة

دلالة الخوارق على النبوة:

القرآن ومعجزات محمد:

سند المعجزات:

المعجزة الخالدة

المعجزة الكونية

إجابات نقلية:

إجابات عقلية:

معجزات أرضية

إحياء الموتى:

شهادة الرضيع:

انقلاب الأعيان:

سادسا ـ ثبات

فتنة الضراء

تأليب أهله عليه:

إيذاء أصحابه:

الحصار الاقتصادي:

الإذية النفسية:

الإذية الجسدية:

فتنة السراء

مساومات:

إغراء:

دنيا:

سابعا ـ حماية

جند الرعب:

جند الإخفاء:

جند الإعلام:

جند الكفاية:

ثامنا ـ انتصارات

جنود من السماء

جنود من الأرض

الريح:

المطر:

النعاس:

الرعب:

تاسعا ـ طاقات

الوحي

الاستبصار

التسخير

عاشرا ـ إكرامات

تكريم الله

الشفاعة:

الطاعة:

الصلاة:

تكريم السماء

الأجوبة النقلية:

الأجوبة العقلية:

تكريم الأرض

تكريم البشر:

تكريم الكائنات:

الشهادة:

التحية:

الهداية

 

المقدمة

هذا الكتاب من الكتب التي حاولت فيها من خلال الأدلة الكثيرة - أن أبين البراهين الدالة على صدق رسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن كل ما في الكون يدل عليها.

وهي تختص بالخوارق التي خرقها الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، كما خرقها قبل ذلك لرسله عليهم الصلاة والسلام، لتكون دليلا على توليتهم من الله تعالى لذلك المنصب الخطير الذي من خلاله يعرّفون بالله، وبالطريق إليه، وبحقائق الوجود.

وقد رجعت لإثبات ذلك إلى كل المصادر التي نقلت الخوارق المختلفة سواء لدى هذه الأمة أو لدى من قبلها من الأمم، وخصوصا اليهود والنصارى، ولهذا قارنت بين كل نوع من أنواع الخوارق مع مثيلاته لدى المسيح عليه السلام خصوصا، ولدى أنبياء بني إسرائيل عموما، وذلك لإثبات أن رسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تختلف مع سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف: 9]

وقد حاولت أن أجمع أكبر قدر من الروايات الواردة عن رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم من خلال المصادر الحديثية المعتمدة، ولم أهتم كثيرا بمناقشة الروايات، باعتبارأني لا أهدف إلى إثبات كل حادثة على حدة، وإنما لإثباتها جميعا، وبالتالي تعاملت معها كما يتعامل المحدثون مع المتواتر المعنوي، لأن الغرض هو إثبات التحدي والإعجاز، لا إثبات كل معجزة على حدة.

وقد صنفت الأدلة في هذا إلى عشرة أصناف مثل سائر الروايات التي وضعتها لخدمة هذا الجانب، وتبدأ من الإرهاصات التي سبقت النبوة، وعاصرتها، وتنتهي بالتكريمات الإلهية التي كرم الله تعالى بها رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وبين ذلك تناولت: بركات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واستجابة الله لدعائه، والنبوءات الكثيرة التي أخبر بها، والتحديات التي تحدى بها المخالفين، والثبات الذي ثبته الله به، وأصناف الحماية التي دعمه الله بها، والانتصارات التي نصره بها، والطاقات التي أعطاه الله إياها.

وهي تتوجه - أولا - لأصحاب العقل والحكمة من المسلمين وغير المسلمين، ليضموا هذا النوع من الأدلة إلى غيره من الأدلة.. ليبنوا من خلال ذلك مواقفهم من رسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

وهي تتوجه كذلك لأولئك الغافلين المقصرين الذين يحتقرون هذا النوع من الأدلة، أو يستهينون بها، مع أن القرآن الكريم ذكره كثيرا، ودعا أصحاب العقول إلى النظر فيه، والاهتمام به.

وهي تتوجه فوق ذلك لأولئك الحمقى والمغفلين من المسلمين الذين لم تهضم عقولهم المقيدة بداء الجهل والكبر هذا النوع من الأدلة فراحوا يردونها، ويردون الروايات الكثيرة المرتبطة بها.

وقد يستغرب البعض ذكري أنها موجهة للمسلمين.. فما حاجة المسلمين لذلك، وهم يؤمنون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصلا.. والجواب على ذلك بسيط، وهو ما نص عليه قوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: 260]، ففرق كبير بين من رأى ومن سمع.

بالإضافة إلى أن هذا النوع من الأدلة يتعلق بناحية مهمة كانت في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا يصح لنا أن نهملها، لأن البعض يحرص دائما على أن يظهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصفة البشر العادي.. ولذلك يكتم أو يتجاهل كل ما يناقض موقفه هذا.

وكسائر كتبي في هذا الجانب، فقد صغت الأدلة فيها على شكل مناقشات ومناظرات وحوارات، وعلى قالب روائي مبسط ييسر التجاوب مع ما تريد هذه الرواية تحقيقه.

ومن أبطال هذه الرواية:

الشيخ صاحب القصة: وهو شخصية مسيحية من رجال الدين، وقد كلف بمهمة تبشيرية بين المسلمين في الهند، بصحبة مبشر خبير هو [بولس]، وقد آمن بعد أن سمع الحوارات الكثيرة الدالة على رسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الذي حكى قصته للمؤلف.

عبد القادر: وهو البطل الأساسي في الرواية، ويمثل الداعية المسلم المثقف والمؤدب، والذي حاور المبشر بكل أدب وعلم، وقد اخترت له هذا الاسم باعتباره يمثل الحديث عن القدرة الإلهية، والخوارق المرتبطة بها، ويمثل في نفس الوقت جمهور المسلمين القائلين بذلك.

عبد الحكيم: وهو صديق لعبد القادر، ولكنه لا يميل إلى الاهتمام بالمعجزات الحسية، وقد سميته بذلك باعتباره يمثل عالم الحكمة، وهو يمثل طائفة من الناس ظهرت في هذا العصر تحاول التهرب من المعجزات خشية على الدين من تلبسه بالخرافة.

بولس: وهو المبشر الذي حاوره عبد القادر في كل فصول الرواية، وقد كان له كما تذكر الرواية (أثره الخطير في ردة الكثير من المسلمين في إفريقيا، فله القدرة على تصوير الخوارق ببلاغة، وكأنها تحدث أمامك.. وكان له من الإخلاص والصدق بقدر ما كان له من النشاط، فلم يكن يرغب في أي مسؤولية أو وظيفة غير وظيفة التبشير)، وقد انتهى به الأمر - بعد أن سمع أخبار المعجزات الحسية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - أن يسلم في آخر الرواية.

والرواية – في الأخير - تعتبر موسوعة للكثير مما ورد من دلائل النبوة مع البراهين العقلية المرتبطة بها، وهي – طبعا – جزء يضم إلى نظيره من الأدلة التي اهتمت بها هذه الكتب.. مثل [معجزات علمية]، و[ثمار من شجرة النبوة]، و[أنبياء يبشرون بمحمد]، و[الكلمات المقدسة]، وغيرها.

وتتميز هذه الطبعة الجديدة باختصارها مقارنة بالطبعة السابقة، فقد حذفت الكثير من الروايات والتفاصيل التي قد تجهد القارئ العادي في فهمها أو الاستفادة منها.

وفي الأخير .. أشكر كل الذين نوهوا بالطبعة السابقة، أو دعوا إلى دراستها، وهي بفضل الله جديرة بذلك، فهي لا تكتفي بعرض الحقائق، بل تبين كيفية إقناع الآخرين بها، والآداب المرتبطة بكل ذلك.

البداية

في ذلك اليوم الذي تشرفت فيه باستضافة الشيخ الغريب الصالح رأيت عجبا، سأحكيه لكم كما رأيته، ولا جناح عليكم أن تنكروه، فأنا نفسي كنت أنكر الكثير مما يحكى لي من هذا الباب، إلى أن رأيته بأم عيني.

كنت قد أعددت للشيخ غرفة خاصة منذ زيارته لي، هي أحسن غرف منزلي، وقد كانت منفصلة عن سائر الغرف، وتطل على حديقة البيت.

في منتصف تلك الليلة، انقطعت الكهرباء، فنبهني أهلي إلى أخذ سراج ـ كنا نستعمله في هذه الحالات ـ إلى غرفة الشيخ، لعله يحتاج إليه، فقد كانت الظلمة شديدة جدا.

ما سرت قليلا إلى الغرفة حتى رأيت عجبا.. لقد رأيت أضواء ساطعة، كأجمل ما يمكن أن تراه من أضواء دفئا وحنانا وإنارة ولطفا.. فتعجبت كل العجب من مصدرها، فلم يكن في الغرفة أي شيء يمكن اعتباره مصدرا لها، ولم يكن لدى الشيخ أي محفظة يمكنه أن يحفظ فيها أي نوع من أنواع المصابيح.

أصابتني هيبة من ذلك كادت تقعد بي عن زيارته وإيصال السراج له، ولكني تغلبت عليها، وقهرت مخاوفي، وسرت نحو غرفته.

أطللت من نافذة صغيرة عليه، فرأيته جالسا على السجادة التي هيأتها له، رافعا يديه إلى السماء، والدموع تنحدر من عينيه بخشوع وجلال، وقد غمرت تلك الأضواء الجميلة وجهه، فصار كالشمس، أو قريبا من الشمس.

لقد كان منظرا يصور الخشوع والإيمان بأرقى درجاته.. ولا يمكن لأي آلة تصوير في الدنيا أن تصور جلال ذلك المنظر وجماله.

لست أدري كيف سقط السراج من يدي، فأحدث بعض الجلبة، جعلت الشيخ ينتبه من ذلك الخشوع الذي ملأ كيانه، ثم يلقي ببصره إلى النافذة ليراني.

غمرني الحياء من نظره لي، خشية أن يتهمني بالتجسس عليه.. لكنه ناداني، فدخلت إليه، لتشملني تلك الأنوار التي شملته، والتي لم يكن لها أي مصدر ظاهر.

قلت: ما هذا.. إن هذا لعجب!؟

قال: ليس عند ربك عجب.. إن ما تراه من أنوار فضل من فضل الله لا يقل عن أي فضل آخر نراه في كل لحظة، ونعيشه، وننعم به.

قلت: ولكن تلك الأنوار ينعم بها كل الناس.. أما هذا النور، فلا أراه الآن إلا في بيتك، وهو كرامة عظيمة لا تقل عن الكرامات التي حكيت عن أهل الله.

قال: إن فضل الله العظيم يشمل الكل.. وما أنا إلا فرد بسيط حقير فقير.. وقد علم الله فقري إليه، فأنالني بعض ما أنالهم، وذلك لا يعني أني مثلهم، بل ولا قريبا منهم.

ثم أخذ نفسا عميقا، وقال: أنا الآن مشغول ببناء حياتي الجديدة مع الله.. أنا لست سوى مريد صغيرة يجلس أمام أشعة تلك الشمس الجميلة المشرقة ليشم عطر أنوارها..

قلت: ولكن أحاديث الكرامات صارت موضوعة في هذا الزمان.. فأنا بين قوم لا يصدقون إلا بالأسباب، وعالم الأسباب.. ولو أصبحت أحدثهم بما رأيت لاتهموني بالكذب، بل بالدجل.. بل يملأون الأرض ضجيجا على خفة عقلي، وأحسنهم حالا، وأقربهم إلي مودة من يذهب يلتمس لهذا الأمر أسبابه وقوانينه التي لا تخرج به عن قوانين الكون التي نعيشها.

ابتسم، وقال: الله رب القوانين والأسباب والكون.. فلا ينبغي أن تخضعوا الله للقوانين التي خلقها.

نظر إلى السراج الذي كنت أحمله، ثم قال: ما هذا؟

قلت: سراج.. لقد أتيت به إليك، لما انقطعت الكهرباء.

قال: فحدث قومك عن سراجك هذا، لتقنعهم بسرج ربك.. استعمل القياس لإقناعهم بذلك.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لم تكن عادتك أن تحمل سراجا في هذا الوقت من الليل لتحمله إلى هذا الموضع من بيتك.

قلت: أجل.. ذلك صحيح.. لعل هذه أول مرة أفعل هذا.. فقد كان هذا البيت معدا للضيوف.. ولم يكن من عادة الكهرباء أن تنقطع في حضورهم.

قال: فما فعلته إذن خرق للعادة..

قلت: كيف ذلك؟

قال: البشر يتعرفون على القوانين من خلال التجربة والاستقراء.. إنهم يرون للأشياء صورا معينة في ظل ظروف معينة، فيستنتجون القوانين من خلال ذلك.

قلت: ذلك صحيح.. كل القوانين تبدأ هكذا، ثم تعمم أحكامها.

قال: وحينذلك يقع الخطأ.

قلت: أي خطأ؟

قال: التعميم.. التعميم أعظم الأخطاء.

قلت: لابد للقوانين أن تعمم.. وإلا ذهب العلم.. ولاحتجنا في كل لحظة إلى تجارب جديدة.

قال: يمكنكم أن تعمموا، ولكن مع ذلك لا ينبغي أن يمنعكم التعميم من اعتقاد احتمال خرق التعميم.

قلت: لم أفهم.. عد بنا إلى السراج، وتطبيقه على هذا.. لعلي أفهم مرادك.

قال: فلنفترض أن هناك رجلا تتبع حياتك في هذا الوقت من الليل.. فرآك في كل السنوات التي مرت بها حياتك، وفي هذا الوقت بالذات من الليل لا تفعل ما فعلته الليلة، فراح يستنتج قانونا يذكر فيه هذا.. بناء على استقراء كل المدة التي مضت من حياتك.. هل ترى ذلك ممكنا؟

قلت: أجل.. فكل العلماء الذين يستنتجون القوانين يفعلون هذا.. إنهم ينطلقون من استقراء حالات معينة في فترة معينة، ثم يحكمون من خلال ذلك، ثم يعممون الحكم.

قال: فما فعلته أنت اليوم إذن بهذه المقاييس خرق للعادة!؟

قلت: يمكنك أن تقول ذلك.. بل نحن في عرفنا نصف الكثير من تصرفاتنا بأنها خارقة للعادة، أو أنها مستحيلة.

قال: فكيف أجزتم لأنفسكم ـ وأنتم الممتلئون ضعفا ـ أن تنخرق لكم العوائد، ولم تجيزوا لربكم أن يخرق العوائد لمن شاء، وكيف شاء!؟

قلت: وعيت هذا.. ولكني أعلم أن لله سننا في الكون.. وأنه لا تبديل لسنن الله، فكيف ينسجم هذا مع ما أراه؟

قال: هذا من سنن الله..

قلت: هذا خرق للعوائد.. فكيف تذكر أنه من سنن الله؟

قال: أليست السنن هي القوانين التي تحكم الأشياء؟

قلت: أجل.. فالله نظم الكون بنظام دقيق محسوب لا ينخرق.

قال: سأضرب لك مثالا يوضح لك هذا.. لقد من الله تعالى على إبراهيم u بأن جعل النار بردا وسلاما عليه، فقال تعالى:﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (الانبياء:69)

قلت: هذا خرق للعادة.. وقد تحقق لإبراهيم u، لأنه نبي الله.. ولكن مع ذلك فإن من قومي من يستحيي من ذكر مثل هذا..

قال: نعم إن ما حصل لإبراهيم u خرق للعادة، ولكنه ليس خرقا لسنن الله.. بل هو من سنن الله.. فسنن الله مطلقة لا تتبدل، ولا تتغير.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لقد كان إبراهيم u في تلك اللحظات يعيش حالة إيمانية عالية.. لقد ألقي في المنجنيق ليرمى به إلى ما أضْرَم له أعداء الله من النار، فلم يتحرك قلبه، ولم ترتعد فرائصه، بل بقي كالطود الأشم لا تزعزعه الرياح، بل سرت السكينة من باطنه إلى ظاهره إلى ما حوله، فأطفأت ببرودتها وسلامها نار النمروذ وزبانيته.

جمعوا الحطب شهرا ثم أوقدوها، واشتعلت واشتدت، حتى أن الطائر كان يمر بجنباتها، فيحترق من شدة وهجها.

ثم قيدوا إبراهيم ووضعوه في المنجنيق مغلولا، وغفلوا أن يقيدوا سكينته، أو عجزوا أن يقيدوها.

وحينذاك ضجت السموات والأرض ضجة واحدة: ربنا! إبراهيم ليس في الأرض أحد يعبدك غيره يحرق فيك، فأذن لنا في نصرته.

وكان الله يعلم ما في قلب إبراهيم، فقال ـ كما يروي المفسرون ـ: (إن استغاث بشيء منكم أو دعاه، فلينصره، فقد أذنت له في ذلك، وإن لم يدع غيري، فأنا أعلم به وأنا وليه)

فلما أرادوا إلقاءه في النار، أتاه خزان الماء - وهو في الهواء - فقالوا: يا إبراهيم إن أردت أخمدنا النار بالماء. فقال: لا حاجة لي إليكم.

وأتاه ملك الريح فقال: لو شئت طيرت النار. فقال: لا.

ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: (حسبي الله ونعم الوكيل)

وحينها جعل الله من هذا الذي أرادوا حرقه به بردا وسلاما وبشارة.

قلت: وعيت هذا.. وهذا من خرق السنن، فكيف تعتبره من السنن؟

قال: بل هو من السنن.. فـ ﴿ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ (الفتح: 23)

قلت: كيف ذلك؟

قال: أرأيت لو أن عالما ـ يحترم نفسه، ويحترم تخصصه، ويحترم العلوم التي وهبت له ـ تمكن من إجراء تجارب معينة في ظروف معينة، واستنتج قوانين منها، ولكنه لم يتمكن من إجراء تجارب على ظروف أخرى.. فهل يستطيع الحكم على نتائج ما لم يجرب عليه؟

قلت: لو فعل ذلك لخرج عن المنهج العلمي.. ولدخل في زمرة أهل الخرافة الذين يستخدمون كل ما توحيه لهم أنفسهم من أهواء.

قال: فهذا ينطبق على من ينكر هذه الخارقة، أو يعتبرها خارج سنن الله.

قلت: كيف ذلك؟

قال: لأن إبراهيم u كان في ذلك الحين في حالة نفسية معينة، حولت من النار الحارقة بردا وسلاما.. فلو أن أحدا مر بنفس ظرف إبراهيم u، وبنفس حاله الإيمانية، فإن النار ستبرد له، وستصير سلاما كما صارت على إبراهيم.

قلت: لا يمكن لأحد أن يكون كإبراهيم.

قال: إذن لا يمكن الحكم على شيء لا يمكن التجريب عليه، وإلا كان ذلك الحكم محض خرافة.

قلت: إن ما ذكرته يحتاج إلى تأمل لاستيعابه.. دعنا منه، وأخبرني عن السنة التي جعلت غرفتك تضاء بالسرج دون غرفتي.. ودون غرف كل أولئك الخلق الذين نراهم.

قال: لا طاقة لي بالتعرف على السنن التي تضبط هذا، ولكني سأذكر لك حديثا قد يبين لك بعض القوانين التي يمكن أن تستنتجها لهذا.

لقد ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم) ([1])

قلت: أفي هذا الحديث قوانين تشير إلى هذا؟

قال: أجل.. لقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئا خارقا في تصوراتنا الهزيلة، وهو مصافحة الملائكة لنا، وذكر لها سببين، عبر عنهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر)

فأولهما الديمومة على استذكار المعاني الإيمانية التي كان يذكر بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والثاني هو الديمومة على الذكر.

قال ذلك، ثم رمى ببصره إلى السماء، وسبح في آفاقها البعيدة، وقال: ألا يرمي هؤلاء المساكين الذين ينكرون هذا بأبصارهم إلى السماء ليروا هذا الكون العريض؟

أليس الذي خلق كل هذا بقادر على أن يخلق أي شيء؟

إن حياتنا جميعا خواق يعجز العقل عن تفسيرها.. فكيف ينكر العقل الذي يعجز عن تفسير كل شيء ما لا يستطيع فهمه أو إدراكه؟

نظرت إلى الساعة، فوجدتنا قد قطعنا شوطا طويلا من الليل، فأخذت السراج، وأردت أن أنصرف، فقال: اجلس..

قلت: لقد خشيت أن أكون قد آذيتك.. وإلا فإن الحديث معك لا يمل.

قال: اجلس لأحدثك عن رحلتي التي هداني الله بها إلى شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. فلا حال أنسب للحديث عن هذه الأشعة من هذا الحال، ولا وقت أنسب لها من هذا الوقت.

قلت: أعجبا .. أكنت تائها عنه؟

قال: لقد أمضيت كل عمري تائها عنه .. ولولا أن هداني الله إليه لكنت الآن من الجافين عنه المحاربين له.

قلت: من أي البلاد أنت؟

قال: لا تهمك بلدي.. ولا يهمك اسمي .. يكفي أن تعرف قصتي.. وأن تسجلها بقلمك.. فلم أزرك إلا لأجل ذلك.

قلت: أكنت تقصدني إذن عندما خرجت من المسجد، وطلبت المأوى؟

قال: أجل.. كنت أقصدك.. بل كنت أقصد قلمك.. فهاته لتسجل ما أحكيه لك.

***

تحت أشعة تلك السرج الجميلة بدأ الشيخ يحدثني عن رحلته إلى الإسلام.

قال: في ذلك اليوم جاءتني رسالة من الفاتيكان تأمرني بالذهاب إلى الهند، وإلى مدينة من مدنها الفقيرة، وقد عرفت سر اختيار تلك المدينة.

فقد كان رجال الفاتيكان يعرفون توجهي العقلي.. ويعرف مثله بغضي للتخلف.. ويعرفون فوق ذلك ما أبديه من تعاطف نحو الإسلام والمسلمين، فأرادوا من خلال تلك الرحلة أن أتعرض لما يفاجئني.. فأرى الخرافة التي تصادم توجهي العقلي، وأرى الفقر الذي يصادم بغضي للتخلف.

ولكن الله شاء أن أتعرض في تلك المدينة الفقيرة.. والجميلة بفقرها.. إلى أشعة لم أكن لأظفر بها لولا أن قيض الله لي تلك الرحلة..

لقد كانت تلك الرحلة بداية للبحث العقلي والعلمي عن الإسلام وعن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.. وكانت النهاية هي اعتناقي له بقلبي وقالبي وكل كياني.

امتطيت الطائرة المتوجهة إلى الهند، وجلست في بعض كراسيها.. ولست أدري كيف خطر على بالي رؤيا رأيتها من زمن بعيد .. رأيت العذراء.. لقد ارتسمت صورتها التي رأيتها في مخيلتي.. كما ارتسمت الكلمات التي ذكرتها لي في أذني ..

لقد صرت أسمعها في اليقظة كما سمعتها في النوم.. وهي تصيح في بصوتها الرقيق الحنون.. والذي يحمل شدة مكسوة برحمة.. تقول لي: ابحث عن الشمس التي بشرت بها الأنبياء، وتحطمت أمام أشعتها الطواغيت.. ومن أفواهها سارت الكلمات المقدسة.

ابحث عن الشمس التي فتحت لها خزائن العلوم، وخرقت لها أسوار الأقدار، وامتلأت القلوب حبا لها، وشوقا إليها.

ابحث عن الشمس التي هي رحمة وعدل وسلام.

ابحث عن الشمس التي تبشرك بحقيقة الوجود، وحقيقة الإنسان، وحقيقة الحياة.

فلن ينقذك من بردك وظلمتك إلا هذه الشمس.

قالت ذلك، ثم انصرفت في طي الغيب، كما جاءت..

لقد كانت رؤيا غريبة تلح على بالي كل حين، ولا أجد لها تفسيرا.

فجأة التفت، إلى الذي بجانبي، فإذا بي أرى وجها مشرقا كالشمس، هادئا كصفحة الماء التي لم تعبث بصفائها التيارات.

ابتسم، وقال: ألا تزال تذكر رؤياك للعذراء؟

تعجبت من معرفته بذلك، وقلت: أجل.. وقد كانت تخطر على بالي الساعة.. بل كان صوتها العذب الجميل يترنم بألحانه العذبة الآن في أذني.

قال: فهل أسمعتك حديث الخوارق؟

كنت في ذلك الحين لا أؤمن بالخوارق.. حتى ما ورد عن المسيح.. كنت أقلد في ذلك تقليدا.. لقد كان توجهي العقلي يكاد يحيلني ملحدا في هذا الباب.

قلت: أجل.. لكن كيف عرفت ذلك؟

ابتسم، وقال: معارفك تبع لهمتك.. وهمتك تبع لطبيعتك.. وطبيتعك تبع لحقيقتك.

قلت: وحقيقتك تبع لمن؟

قال: تبع لإرادتك.. فلن يصنعك غيرك.. أنت الذي تقرر كيف تكون.

قلت: ولكن الإرادة قد يعتريها ما يملؤها بالعجز، فتقع في أدغال الجبن.

قال: لقد زود الله الإرادة بما يخرجها من كل السجون..

قلت: حتى لو رميت مفاتيح سجونها في أعماق المحيط!؟

قال: حتى لو رمي بمفاتيحها في أدغال المجرات.. فإن الروح تستطيع أن تصرخ مستغيثة ليأتيها المدد من كل مكان..

قلت: بالعوائد.. أم بخرق العوائد؟

قال: ليس هناك شيء اسمه عوائد.. فلذلك لا وجود لخرق العوائد.

قلت: العوائد هي القوانين التي يسير بها الكون.. فكيف تزعم عدم وجودها؟

قال: العوائد تعني التكرار.. ولا تكرار عند ربك.. إن ربك هو البديع الذي لا يكرر صنعه..

قلت: ولكنا نرى القوانين السارية..

قال: أنتم ترونها بعين الغفلة.. فلذلك ترونها تكرارا.. ولكنكم لو رأيتموها بعين الحقيقة لرأيتم في كل قديم جديدا، وفي كل حادث حديثا.

إن الكون الذي ترونه كآلات تتحرك بتلقائية، فتشبهونه بآلاتكم التي تتفنون في صنعها أشبه ما يكون بتلك العرائس التي تحتاج من يحركها.. فإذا رآها الغبي الغافل تصورها تتحرك من ذاتها.

قلت: لقد ذكرت لي العذراء أن القوانين تخرق لتلك الشمس التي بشرتني بها.

قال: لا بد للقوانين أن تخرق لكل شمس، لتثبت أنها شمسا.. فلا يمكن لطاقة الشمس أن تكون كطاقة السرج التي تستضيئون بها.

قلت: فما حاجة الشمس لأن تخرق لها العادات؟

قال: ليعرف الناس أنها من مصدر علوي..

ثم التفت إلي، وقال: أنت الآن ذاهب إلى الهند.. وهناك لا يعرفك أحد.. وستذهب إلى قوم قد ينكرونك، وقد يطردونك من بينهم، فما الذي تفعله لتثبت لهم أنك أنت أنت، وأن وظيفتك هي وظيفتك؟

قلت: لا تخف علي من ذلك.. فهناك من أنبأهم بأني سآتي..

قال: فهناك من بشرهم بقدومك إذن([2]).

قلت: تستطيع أن تقول ذلك..

قال: ولكن.. يمكن أن يستغل أحد من الناس تلك المبشرات، فيدعي أنه المبشر بها دونك، فكيف يميز بين الكاذب والصادق منكما؟

قلت: ذلك بسيط.. لدي في هذه الحقيبة كل الوثائق الدالة على هويتي ووظيفتي، ولن يستطيع أحد من الناس أن يأتي بمثلها.

قال: ولكن يمكن أن يزور وثائق مثلها.

قلت: يمكن أن يزور الكتابة.. ولكن هناك أشياء مهمة يستحيل تزويرها، وهي تعرف بالمصدر الذي ابتعثني لهذه الوظيفة.

قال: فتقليدها مستحيل إذن.

قلت: أجل.. لقد ابتكر قومي في هذا الباب وسائل خارقة يستحيل تقليدها.

قال: فربك يفعل هذا إذن مع الشمس التي يرسلها لتضيء على خلقه.. فهو لا يكتفي بالبشارات التي تبشر بها، بل يعطيها من القوى والخوارق ما يعجز الدجالون عن تقليده.

قال ذلك، ثم قام مستأذنا، بعد أن طلبت المضيفة المشؤومة أوراقه.

بقيت متأملا ما قال، فوصلت إلى نتيجة نفت عن عقلي ما كان يتمسك به مما يعتبره روح العلم وحقيقته.

لقد صرت أدرك أن الله تعالى لا بد أن يمد عباده الذين يصطفيهم بما يؤكد كونهم من عنده.. حتى يقطع الطريق على الدجالين من المتنبئين.

***

 كان في المقعد الأمامي للطائرة شابان يتحدثان بحماسة، وقد ارتفعت أصواتهما، وكل منهما يريد أن يفرض قناعته على أخيه.

قال أحدهما، وهو عبد الحكيم([3])، على حسب ما عرفت بعد ذلك: اسمع.. يا أخي عبد القادر.. إن الذي تقوله خطير جدا.

 عبد القادر: لست أرى أي خطورة فيه.. بل لا أرى شيئا يناسب تلك البلاد، ويناسب أهلها والظروف التي يمرون بها إلا هذا.

 عبد الحكيم: ولكن ألا تخشى من ثورة الخبراء والعلماء على الإسلام كما ثاروا قبل ذلك على الكنيسة؟

 عبد القادر: نحن لا نزعم أن هذه قوانين تنطبق على كل الناس.. هذه أحكام خاصة ارتبطت ببيئة خاصة، وكان قصدها تحقيق أهداف خاصة.

 عبد الحكيم: ولكنا يمكن أن نتوسل للإقناع بذلك بأدلة أخرى كثيرة غير هذه.. يمكننا أن نستدل ببلاغة القرآن الكريم.

 عبد القادر: هم لا يعرفون العربية، فكيف نقنعهم ببلاغة القرآن الكريم؟

 عبد الحكيم: فنقنعهم بعلومه؟

 عبد القادر: هم يتخبطون في مستنقعات الجهل التي فرضها عليهم عدوهم، فكيف يفهمون ما تقول؟

 عبد الحكيم: نقنعهم بتشريعات الإسلام وتنظيماته.

 عبد القادر: هم لن يفهموا كل هذا.. هم قوم لا يؤثر فيهم شيء مثلما تؤثر فيهم الخوارق.. إن آباءهم هم الذين اخترعوا فنون اليوغا، وأنواع السحر.. إنهم لا يؤمنون بشيء كما يؤمنون للخوارق..

وقد استغلت الكنيسة القائمة هناك هذه الطبيعة المتأصلة فيهم، فراحت تستنفر لها كل ما روي عن المسيح u من الخوارق، لا لتثبت لهم نبوته، بل لتثبت لهم إلهيته.

 عبد الحكيم: أجل.. وقد علمت أن مبشرا خبيرا قدم تلك البلاد.. واسمه (بولس) وقد كان لهذا الرجل أثره الخطير في ردة الكثير من المسلمين في إفريقيا، فله القدرة على تصوير الخوارق ببلاغة، وكأنها تحدث أمامك.

 عبد القادر: أفنترك هذا الرجل يعيث في الأرض فسادا، ونظل نتجادل.

 عبد الحكيم: لم أقصد أن أجادلك، ولكني أردت أن نتحرى الحقيقة فيما نقول، خشية أن يتسرب لديننا من الخرافة ما يكدر صفوه.

 عبد القادر: لا تخف.. فنحن أحرص الناس على صفاء الدين.. إن الأدلة التي نستند إليها في إثبات ما نقوله تعجز كل الدنيا عن ردها..

 عبد الحكيم: فما ترى من سبيل لرد دعوة هذا المبشر؟

 عبد القادر: ذلك بسيط.. أخرج ورقة وقلما.. وتعال أخبرك بما سنفعل.

أخرج عبد الحكيم ورقة من محفظته، وراحا يهمسان بما سيفعلانه.

***

 وصلت إلى الهند، فاستقبلني الرجل الموكل بكنيستها، ولست أدري كيف عرفني، لقد جاء، واحتضنني، وقال: مرحبا بك معنا رسولا من رسل المسيح.

ثم عرفني بنفسه، وأنه (بولس) ـ الذي كان يتحدث عنه عبد القادر وعبد الحكيم ـ وحدثني، والسرور يهز نفسه، عن الفتوح العظيمة التي فتحت له في إفريقيا.

لقد كان بولس من خلال كلماته وحركاته كتلة عجيبة من النشاط قل نظيرها، وكان له من الإخلاص والصدق بقدر ما كان له من النشاط، فلم يكن يرغب في أي مسؤولية أو وظيفة غير وظيفة التبشير، قال لي: في الحقيقة أنا لا أصلح لتولي هذه المسؤولية التي أنيطت بي في هذه الكنيسة.. أنا لا أصلح لأن أكون مسؤولا.. ولذلك فقد سررت كثيرا بمجيئك.. فأنت الذي ستتحمل ما يرتبط بهذه الكنيسة من مسؤوليات.. أما أنا، فدعني أسير بين الناس أبشر بذلك المخلص الذي فدانا على خشبة الصليب.

قلت: هل لي أن سير معك، لأتعلم على يديك فنون التبشير.

قال: إن ذلك يسرني.. سوف أعلمك من أساليب التبشير في هذه البلاد ما يجعل الناس يتهافتون عليك كما يتهافت الفراش على النار.

ابتسم، وقال: عذرا.. أنا دائما لا أعرف صياغة التشبيهات.. أقصد.. يتهافتون عليك كما يتهافت النحل على الأزهار.

قلت: من أين لك هذه المقدرة العجيبة؟

قال: لقد اكتسبتها من طول المدة التي مكثتها في إفريقيا.. تصور.. لقد استطعت عن طريق قصي لحادثة واحدة ـ هي حادثة إحياء المسيح لبنت يايرس، والتي وردت قصتها في (مرقس 5: 21-43)([4]) ـ من إدخال الآلاف المؤلفة رحاب الكنيسة.

قلت: وهل يصدق الناس أنباء الخوارق بسهولة؟

قال: وهل تتصور أن هناك دينا من غير خوارق.. الدين لا يثبت إلا بالخوارق.. بل ولا يستمر إلا بالخوارق.. بل إن الكنيسة في جميع أطوارها التاريخية اعتمدت هذا الأسلوب.. حتى بولس.. بولس الرسول.. لولا تلك الخارقة التي حصلت له([5]) ما كان ليصير بولس الذي يزاحم الحواريين، بل يبعدهم عن طريقه، ويسبقهم مكانة وتقديرا ودورا.

قلت: أليس في هذه البلدة مسلمون؟

قال: بلى.. كما كان في إفريقيا التي بشرت فيها مسلمون.. إن الإسلام ييسر لنا التبشير أكثر من أي دين آخر.. فالمسلمون يؤمنون بالله أصلا، فلذلك لا نحتاج لأن نقنعهم بالله، بل نكتفي بإضافة ابن لله.. فيتحولون من الإسلام إلى المسيحية.

قلت: فإن حصلت اعتراضات من المسلمين، أو ناقشنا بعضهم!؟

قلت هذا، وأنا أشير إلى عبد القادر وعبد الحكيم اللذين سمعت عزمهما على تعطيل محاولات (بولس) التبشيرية.

قال: نرحب بكل كلمة تقال.. بل نسمع لها.. ولو حصل ذلك، فإنا نكون أنشط لما نقول.. وقد نجد من الشبهات حينها ما نمطرهم به..

قلت: متى تبدأ جلساتنا التدريبية؟

قال: من الغد.. غدا تبدأ تلك الجلسات أو تلك الخرجات.. لقد نذرت حياتي للمسيح.. ولا ينبغي أن أضيع لحظة منها.

أولا ـ إرهاصات

في اليوم الأول.. خرجت مع بولس إلى القرية الهندية الفقيرة الجميلة.. فرأينا الناس مجتمعين حول بيت من البيوت، وهم ممتلئون فرحا وسعادة، وقد علمنا أن سبب فرحهم يرجع إلى ولادة مولود لأحدهم، كان به مرض يمنعه من الإنجاب، ولكن الله قدر أن يرزقه هذا الولد بعد أن هرم، وكاد يرد إلى أرذل العمر.

اقتربنا منهم، لنهنئهم بذلك الميلاد السعيد، فسمعنا ذلك الشيخ الوقور يحدث أضيافه عن دعائه الله بأن يرزقه ولدا صالحا، وكيف رأى الرؤى الصالحة التي تبشره بميلاد ذلك الولد.. وحدثهم عن أشياء كثيرة ترتبط بميلاد ذلك الولد هي أقرب للخوارق منها إلى العادات.

هنا تحين بولس الفرصة ليبدأ تبشيره.

 بولس: إن ما تذكرونه من إرهاصات بمولد هذا الصبي يذكرنا بالمسيح..

لقد كانت للمسيح إرهاصات كثيرة ارتبطت بمولده الشريف.

إن حادث ميلاد المسيح لم يكن له مثيل في تاريخ البشرية، فقد كان مظاهرة سمائية وأرضية، فرح في السماء، وبهجة علي الأرض.

 فبالرغم من أنه ولد في مزود حقير للبقر، إلا أن ما حدث كان أكبر وأروع من أن يحدث مع أي من أبناء البشر مهما كانت مكانتهم علي الأرض.

لقد جاء ملاك من السماء، ومعه جمهور من الجند السماوي في احتفال سمائي، وبشر جماعة من الرعاة بميلاد المسيح الذي وصفه بالمخلص الرب: (وإذا ملاك الرب وقف بهم ومجد الرب أضاء حولهم فخافوا خوفا عظيما. فقال لهم الملاك: (لا تخافوا. فها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب: أنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب. وهذه لكم العلامة: تجدون طفلا مقمطا مضجعا في مذود). وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوي مسبحين الله وقائلين: (المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة). ولما مضت عنهم الملائكة إلى السماء قال الرعاة بعضهم لبعض: (لنذهب الآن إلى بيت لحم وننظر هذا الأمر الواقع الذي أعلمنا به الرب). فجاءوا مسرعين ووجدوا مريم ويوسف والطفل مضجعا في المذود.

فلما رأوه أخبروا بالكلام الذي قيل لهم عن هذا الصبي. وكل الذين سمعوا تعجبوا مما قيل لهم من الرعاة. وأما مريم فكانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكرة به في قلبها)(لوقا:2/8ـ19)

وهذا ما لم يحدث ولن يحدث مع أي كائن ظهر علي الأرض، لم تهتف السماء لميلاد أحد، ولم تسبح الملائكة لميلاد أحد، سواء كان نبيا أو رسولا أو قديسا، سوى شخص المسيح فقط.

التفت إلى الجمع المندهش لحديثه، وقال: أتدرون لماذا؟

ثم أجاب نفسه بنفسه: لأن المسيح هو فوق الكل، أو كما قال هو في مقارنة بينه وبين كل من وجد علي الأرض (فقال لهم: (أنتم من أسفل أما أنا فمن فوق. أنتم من هذا العالم أما أنا فلست من هذا العالم)(يوحنا:8/23)، وقال القديس يوحنا بالروح (الذي يأتي من فوق هو فوق الجميع والذي من الأرض هو أرضي ومن الأرض يتكلم. الذي يأتي من السماء هو فوق الجميع) (يوحنا:3/31)

ابتسم ابتسامة عريضة، ثم قال: ليس ذلك فقط.. هناك المزيد من الإرهاصات..

لقد جاء المجوس، وهم حكماء علماء، من المشرق، يحملون هدايا لهذا المولود الإلهي، وكان قد ظهر لهم نجم من السماء ليبلغهم بخبر الميلاد ويرشدهم في الطريق للوصول إلي هذا الطفل الإلهي، يقول الكتاب: (ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية في أيام هيرودس الملك إذا مجوس من المشرق قد جاءوا إلى أورشليم. قائلين: (أين هو المولود ملك اليهود؟ فإننا رأينا نجمه في المشرق وأتينا لنسجد له)، وإذا النجم الذي رأوه في المشرق يتقدمهم حتى جاء ووقف فوق حيث كان الصبي. فلما رأوا النجم فرحوا فرحا عظيما جدا وأتوا إلى البيت ورأوا الصبي مع مريم أمه فخروا وسجدوا له ثم فتحوا كنوزهم وقدموا له هدايا: ذهبا ولبانا ومرا)(متى: 2/1-12)

قال رجل من الجمع، عرفت بعد ذلك أنه مستأجر من بولس للقيام بدور السائل والمتأثر: ما هذا النجم يا مولانا.. إن خبره لعجيب!؟

سر بولس لهذا السؤال، وقال ـ متوجها للسائل ـ: بورك فيك.. لقد آتاك الله ذكاء وفهما.. وسؤالك هذا يدل على ذلك.

إن علماء اللاهوت ذكروا أن هذا النجم قد يكون نجما حقيقيا جعله الله يتحرك خارج إطار قانون وناموس الكون ويظهر بصورة إعجازية، ليرشد المجوس إلي ميلاده ومكان ولادته.

وإما أنه ملاك ظهر في شكل نجم ليقوم بنفس المهمة.

فإذا اعتبرناه نجما حقيقا ـ كما هو الظاهر ـ فإنه بذلك يعبر عن أن الأفلاك السمائية شاركت هي أيضا في الاحتفال بهذا المولود الإلهي.

التفت إلى الجمع، وقال: فهل حدث مثل هذا عند ميلاد أحد الأنبياء؟! ولماذا حدث ذلك عند ميلاد المسيح؟ والإجابة هي كما قال الملاك أنه هو (المسيح الرب)، وليس سواه.

أظهر مستأجر بولس الكثير من الاستغراب والدهشة لكلام بولس، وقال: إن هذا لعجيب.. فهل هناك غيره؟

 بولس: أجل .. في وقت ختانه في اليوم الثامن في الهيكل حسب عادة اليهود جاء رجل من أورشليم اسمه سمعان، وهذا الرجل يقول عنه الكتاب أنه كان (بارا تقيا ينتظر تعزية إسرائيل والروح القدس كان عليه. وكان قد أوحي إليه بالروح القدس أنه لا يرى الموت قبل أن يرى مسيح الرب. فأتى بالروح إلى الهيكل. وعندما دخل بالصبي يسوع أبواه ليصنعا له حسب عادة الناموس أخذه على ذراعيه وبارك الله وقال: (الآن تطلق عبدك يا سيد حسب قولك بسلام لأن عيني قد أبصرتا خلاصك الذي أعددته قدام وجه جميع الشعوب. نور إعلان للأمم ومجدا لشعبك إسرائيل). وكان يوسف وأمه يتعجبان مما قيل فيه. وباركهما سمعان وقال لمريم أمه: (ها إن هذا قد وضع لسقوط وقيام كثيرين في إسرائيل ولعلامة تقاوم. وأنت أيضا يجوز في نفسك سيف لتعلن أفكار من قلوب كثيرة)(لوقا:2/25ـ36)

وكان هناك ـ أيضا ـ في الهيكل امرأة نبية اسمها حنة يقول عنها الكتاب: (وكانت نبية حنة بنت فنوئيل من سبط أشير وهي متقدمة في أيام كثيرة قد عاشت مع زوج سبع سنين بعد بكوريتها. وهي أرملة نحو أربع وثمانين سنة لا تفارق الهيكل عابدة بأصوام وطلبات ليلا ونهارا. فهي في تلك الساعة وقفت تسبح الرب وتكلمت عنه مع جميع المنتظرين فداء في أورشليم) (لو2/36ـ38).

فجاء سمعان إلي الهيكل بالروح، وكان الروح القدس قد سبق أن وعد أن لا يري الموت قبل أن يري المسيح الرب، وتكلمت عنه حنة النبية مع جميع الذين كانوا يتوقعون ميلاده، بحسب النبوات، جميع المنتظرين الفداء الذي كان سيأتي من إسرائيل.

قال ذلك، ثم التفت للجمع، وقال: هذا ما حدث في ميلاد المسيح.. فهل حدث مثل ذلك عند ولادة أي نبي أو رئيس أنبياء أو أي شخص ظهر علي الأرض مهما كانت أهميته؟

ثم أجاب نفسه بنفسه: بالطبع لم يحدث مثل ذلك إلا في ميلاد الرب يسوع لأنه ليس مجرد شخص عادي، ولا هو مجرد نبي، بل هو المسيح الرب الذي ظهر في الجسد، فهو مرسل الأنبياء.

لم يكن بولس يتصور أن يفاجأ بأي اعتراض، فقد كان يتصور أنه يتكلم مع أميين جهلة لا علم لهم يناقشون به ما يقال، ولا عقول لهم تستطيع أن تعترض على ما يقال.

لكنه فوجئ بصوت يريد أن يناقشه.. وقد فوجئت مثله، لا بالاعتراض، وإنما بصوت المعترض.. لقد عرفته.. إنه صوت عبد القادر، ذلك الرجل الذي سمعته يتحدث مع عبد الحكيم في الطائرة..

لست أدري كيف شعرت بسرور عظيم، وأنا أسمع صوته، وكأن روحي أدركت أنها ستنال من ذلك الصوت بعض الحقائق التي حرمت من سماعها في البيئة التي ولدت فيها.

 عبد القادر: إن أذنت لي ـ حضرة القس الفاضل ـ فإن قرآننا قد ذكر في ميلاد المسيح من العجائب ما لم تذكره، سأقرأ عليك ما ورد في القرآن الكريم من ميلاد المسيح u.

فتح عبد القادر المصحف، وراح يقرأ بخشوع ما ورد في قصة ميلاد المسيح من سورة مريم:﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (36)﴾(مريم)

رفع رأسه، والتفت إلى بولس، وقال: هذه هي قصة ميلاد المسيح u كما وردت في القرآن الكريم..

إن المسيح u ولد من عذراء.. وقد حصل لأمه في فترة حملها من البركات والخيرات ما ذكره القرآن الكريم.

وعند ميلاده أنطقه الله في المهد ليصور حقيقته ووظيفته التي أنيطت به على هذه الأرض، لقد كانت أول كلمة قالها، وأشرف كلمة قالها هي ﴿ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ﴾ (مريم: 30).. لقد بدأ بإعلان عبوديته لله، فليس هو ابن الله، ولا هو الله، ولا هو ثالث ثلاثة هم إله واحد، وهم في نفس الوقت ثلاثة آلهة.

ثم يذكر أن الله جعله نبيا، لا ولداً ولا شريكا، وأنه بارك فيه، وأوصاه بالصلاة والزكاة مدة حياته وأوصاه بالبر بوالدته والتواضع مع عشيرته.. وأنه قدر له السلام والأمان والطمأنينة يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً.

ظهر عبد الحكيم، هو الآخر، وقال: هذا ما يقوله العقل والمنطق.. فلا يمكن لهذا الكون أن يكون له إله غير إله واحد.. إن النظام والتناسق والدقة تدل على أن المبدع واحد.

هنا تدخل مستأجر بولس، وأراد أن ينقذ الموقف، فقال: ولكن ما تقول في تلك المعجزات العظيمة التي صاحبت ميلاد المسيح.. لقد ولد كما ذكرت من عذراء..

ابتسم عبد الحكيم، وقال: إن هناك ملايين الكائنات يولدون من عذراوات، فهل نعتبرهم جميعا آلهة؟

ثم التفت لبولس، وقال: أيهما أحق بالألوهية من لم يكن له والد أصلا لا أما، ولا أبا، أم من له أم؟

سكت بولس، فقال: لقد خلق الله آدم من تراب.. ليس له أب، ولا أم.. فلذلك لو اعتمدنا المنطق الذي تعتمدونه في هذا الباب، فهو أحق بالألوهية من المسيح([6]).

لقد ذكر القرآن الكريم هذا، فقال تعالى:﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (آل عمران:59)

قال مستأجر بولس: ولكن ما تقول في هذه الخوارق التي حصلت للمسيح، ولم تحصل لغيره؟

 عبد القادر: ومن قال: إنها لم تحصل لغيره.. إن الله تعالى بحكمته يظهر بعض الإرهاصات الدالة على المصطفين الذين يختارهم لهداية خلقه.. ليكون ذلك تمهيدا لتقبل الناس لهم.

لقد ذكر القرآن الكريم هذا عن موسى u.. فموسى u هيئ منذ ولادته للوظيفة الخطيرة التي كلف بها.

فبعد أن ذكر الله تعالى ما أراده للمستضعفين من بني إسرائيل من الخروج عن ضعفهم، فقال:﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)﴾(القصص)

بعدها ذكر الله تعالى مقدمات تلك التهيئة، فقال:﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9) وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (13)﴾(القصص)

ويحي u ذكر القرآن الكريم قصة ميلاده، وما ارتبط بها من البشارات، والإرهاصات..

وهكذا كل الأنبياء ـ عليهم السلام ـ جعل الله في مقدمات حياتهم ما يشير إلى الدور الخطير الذي كلفوا به.

بولس: إلا محمد.. فمحمد ولد ولادة عادية، كما يولد سائر الناس.

 عبد القادر: نعم ولد ولادة عادية بفضل الله، ولكنه ـ كسائر الأنبياء ـ سبق ميلاده ورافقه إرهاصات كثيرة تدل على الوظيفة الخطيرة التي هيئ لها.

مستأجر بولس: ذلك غير صحيح.. لقد ولد ولادة عادية.. هذا ما أعرفه.

ابتسم عبد القادر، وقال: أنت تحثني إذن على أن أعرفك ما لم تكن تعرف، وأعلمك ما لم تكن تعلم.

قال الجمع: نعم.. لقد حدثنا هذا عن إرهاصات المسيح، فحدثنا أنت عن إرهاصات محمد.

 عبد القادر: لقد حدثت لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أنواع من الإرهاصات ـ على حسب ما ذكرت للمسيح u ـ: إرهاصات سبقت مولده، وإرهاصات تزامنت مع مولده، وإرهاصات حدثت بعد مولده.. وسأحدثكم عن بعض الحوادث المرتبطة بكل نوع منها.

قبل الميلاد

قالوا: فحدثنا عن الإرهاصات التي سبقت مولده.

 عبد القادر: لقد كانت الجزيرة العربية في ذلك الزمن الذي ولد فيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم كلها على أحر من الجمر في انتظار ذلك النبي الموعود الذي بشرت به الأنبياء.

قالوا: فكيف عرفوا أنه سيبعث في ذلك الزمان؟

 عبد القادر: لقد ذكر الكتاب المقدس الكثير من العلامات المرتبطة بهذا النبي، والزمن الذي سيولد فيه، والمكان الذي سيخرج منه([7])، والذي حرف أكثره بعد أن أرسل الله رسوله.

قالوا: من فعل ذلك، ولم؟

 عبد القادر: فعله من وكله الله بحفظ كتابه، وفعلوه ليصرفوا النبوة عن محمد صلى الله عليه وآله وسلم بغيا وحسدا.. لقد ذكر القرآن الكريم هذا، فقال:﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة:89)

فهذه الآية الكريمة تخبر عن ذلك الانتظار الطويل الذي عاناه أهل الكتاب، وهم يبشرون الناس بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم.

قالوا: فحدثنا عن ذلك.

انتظار طويل:

 عبد القادر: لقد رويت الروايات الكثيرة الدالة على ذلك.. وسأذكر لكم منها ما يبين لكم الجو العام الذي كان يمهد لمجيئ محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

حدث عاصم بن عمر بن قتادة قال: حدثنا أشياخ شتى قالوا: لم يكن أحد من العرب أعلم بشأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منا، كان معنا يهود، وكانوا أهل كتاب وكنا أهل وثن، وكنا إذا بلغنا منهم ما يكرهون قالوا: إن نبيا مبعوثا الآن قد أظل زمانه نتبعه، فنقتلكم معه قتل عاد وإرم.

فلما بعث الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم اتبعناه وكفروا به، ففيهم أنزل الله تعالى:﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة:89))([8])

وعن ابن عباس قال: كانت يهود خيبر تقاتل يهود غطفان، فلما التقوا انهزمت يهود خيبر، فعاذت اليهود بهذا الدعاء فقالوا: اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم، فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كفروا به، فأنزل الله تعالى:﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة:89))([9])

وعن محمد بن عدي أنه سأل أباه كيف سماه في الجاهلية محمدا؟ فقال: خرجت مع جماعة من بني تميم، فلما وردنا الشام نزلنا على غدير عليه شجر، فأشرف علينا ديراني([10]) فقال: من أنتم؟ قلنا: من مضر، فقال: أما إنه سوف يبعث منكم وشيكا نبي فسارعوا إليه وخذوا بحظكم منه ترشدوا، فإنه خاتم النبيين. فقلنا: ما اسمه؟ فقال: محمد. فلما صرنا إلى أهلنا ولد لكل واحد منا غلام فسماه محمدا([11]).

وعن سعيد بن المسيب قال: كانت العرب تسمع من أهل الكتاب ومن الكهان أن نبيا يبعث من العرب اسمه محمد، فسمى من بلغه ذلك من ولد له محمدا، طمعا في النبوة([12]).

التفت عبد القادر إلى بولس، وقال: هذه أول الإرهاصات.. فمحمد صلى الله عليه وآله وسلم كان منتظرا من الكل.. من اليهود، ومن المسيحيين، ومن الأحناف الذين يبحثون عن ملة إبراهيم.

مستأجر بولس: نحن نريد الآيات العجائب.

 عبد القادر: وهذا من الآيات العجائب.. فكيف يتفق كل ذلك الجمع على ذلك الانتظار؟

ثم كيف يرحل الأحبار والرهبان من ديارهم لينتظروا ذلك المولود الموعود في تلك البلاد القاحلة؟ ومع ذلك.. فهناك آية أخرى تتناسب مع الطريقة التي تفكر بها.

قال الجمع: ما هي؟

حماية الكعبة:

 عبد القادر: أنتم تعلمون أن محمدا ولد بمكة المكرمة في عام يسمى عام الفيل.

قالوا: أجل.

 عبد القادر: لقد كان هذا الفيل الذي ولد في عامه محمد صلى الله عليه وآله وسلم إرهاصا من إرهاصات النبوة.

قالوا: كيف ذلك؟

عبد القادر: في ذلك الحين، قدم أبرهة الأشرم ملك اليمن إلى مكة المكرمة، لهدم الكعبة المشرفة، ولكن الله حماها منه، وأنزل به وبجنوده عقابا أليما خارقا.

وخلاصة الحادثة أن الحاكم الحبشي لليمن ـ في الفترة التي خضعت فيها اليمن لحكم الحبشة ـ بعد طرد الحكم الفارسي منها وتسميه الروايات (أبرهة)، كان قد بنى كنيسة في اليمن باسم ملك الحبشة، وجمع لها كل أسباب الفخامة، على نية أن يصرف بها العرب عن البيت الحرام في مكة، وقد رأى مبلغ انجذاب أهل اليمن الذين يحكمهم إلى هذا البيت، شأنهم شأن بقية العرب في وسط الجزيرة وشماليها، وكتب إلى ملك الحبشة بهذه النية.

لكن العرب لم ينصرفوا عن بيتهم المقدس، فقد كانوا يعتقدون أنهم أبناء إبراهيم وإسماعيل صاحبي هذا البيت، وكان هذا موضع اعتزازهم على طريقتهم بالفخر بالأنساب، وكانت معتقداتهم على تهافتها أفضل في نظرهم من معتقدات أهل الكتاب من حولهم، وهم يرون ما فيها من خلل واضطراب وتهافت كذلك.

عندئذ صح عزم (أبرهة) على هدم الكعبة ليصرف الناس عنهم؛ وقاد جيشاً جراراً تصاحبه الفيلة، وفي مقدمتها فيل عظيم ذو شهرة خاصة عندهم.

فتسامع العرب به وبقصده، وعز عليهم أن يتوجه لهدم كعبتهم، فوقف في طريقه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن البيت الحرام، فأجابه إلى ذلك من أجابه، ثم عرض له فقاتله، ولكنه هزم وأخذه أبرهة أسيراً.

ثم وقف له في الطريق كذلك نفيل بن حبيب الخثعمي في قبيلتين من العرب ومعهما عرب كثير، فهزمهم كذلك وأسر نفيلا، الذي قبل أن يكون دليله في أرض العرب.

حتى إذا مر بالطائف خرج إليه رجال من ثقيف فقالوا له: إن البيت الذي يقصده ليس عندهم إنما هو في مكة، وذلك ليدفعوه عن بيتهم الذي بنوه للاّت، وبعثوا معه من يدله على الكعبة.

فلما كان أبرهة بالمغمس بين الطائف ومكة، بعث قائداً من قواده حتى انتهى إلى مكة فساق إليه أموال تهامة من قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم بقتاله، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به فتركوا ذلك.

وبعث أبرهة رسولاً إلى مكة يسأل عن سيد هذا البلد، ويبلغه أن الملك لم يأت لحربهم وإنما جاء لهدم هذا البيت، فإن لم يتعرضوا له فلا حاجة له في دمائهم، فإذا كان سيد البلد لا يريد الحرب جاء به إلى الملك.

فلما كلم عبد المطلب فيما جاء به قال له: والله ما نريد حربه وما لنا بذلك من طاقة. هذا بيت الله الحرام. وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن يخل بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه.

ثم انطلق عبد المطلب مع رسول أبرهة إليه، فلما استؤذن لعبد المطلب، قالوا لأبرهة: هذا سيد قريش، فأذن له.

فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه عن أن يجلسه تحته، وكره أن تراه الحبشة معه على سرير ملكه، فنزل أبرهة عن سريره، فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثم قال له: حاجتك؟ فذكر عبد المطلب أباعره التي أخذت له فقال أبرهة: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم زهدت فيك حين كلمتك، أتكلمني عن مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه؟ قال له عبد المطلب: أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه.

فرد أبرهة على عبد المطلب الإبل، فانصرف إلى قريش، فأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز بالجبال والشعاب تخوفا عليهم معرة الجيش، وقد كانوا أكثر من قريش عددا.

ثم قام عبد المطلب، فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجيشه.

وكان مما قال عبد المطلب، وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:

لا هم أن العبد يمنع رحله فامنع حلالك

لا يغلبن صليبهم   ومحالهم غدوا محلك

إن كنت تاركهم   وقبلتنا فأمر ما بدا لك

فأما أبرهة فوجه جيشه وفيله لما جاء له، فبرك الفيل دون مكة لا يدخلها، وجهدوا في حمله على اقتحامها فلم يفلحوا([13]).

ثم إن الله تعالى أرسل على هذا الجيش جماعات من الطير تحصبهم بحجارة من طين وحجر، فتركتهم كأوراق الشجر الجافة الممزقة، وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة، حتى قدموا به صنعاء، فما مات حتى انشق صدره عن قلبه كما تقول الروايات.

وقد ذكر القرآن الكريم هذه الحادثة، فقال تعالى:﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5) ﴾(الفيل)

 بولس: قد أسلم بما ذكرت من أنها حادثة خارقة، ولكن كيف تذكر أنها من الإرهاصات المرتبطة بمحمد.

 عبد القادر: أنت تعلم أن بيت المقدس لا يقل حرمة عن الكعبة المشرفة.

 بولس: نحن لا نرى للكعبة أي مكانة مقارنة ببيت المقدس.

 عبد القادر: ومع ذلك فقد استولى عليه بُخْتُنَصَّر سنة 587 ق‏.‏م، ثم استولى عليه الرومان سنة 70 م، ولكن الكعبة المشرفة لم يتم استيلاء مسيحيو الحبشة عليها مع كونهم من المسيحيين، وأهل الكعبة من المشركين‏.‏

وليس لذلك من سر إلا حفظ هذا البلد من كل تأثيرات أجنبية قد تنحرف بالدين الخاتم.

بالإضافة إلى ذلك، فقد وقعت هذه الوقعة في الظروف التي يبلغ نبؤها إلى معظم المعمورة المتحضرة إذ ذاك،‏ فالحبشة كانت لها صلة قوية بالرومان، والفرس لا يزالون لهم بالمرصاد، يترقبون ما نزل بالرومان وحلفائهم؛ ولذلك سرعان ما جاءت الفرس إلى اليمن بعد هذه الوقعة، وهاتان الدولتان كانتا تمثلان العالم المتحضر في ذلك الوقت‏.‏

فهذه الوقعة لفتت أنظار العالم ودلته على شرف بيت الله، وأنه هو الذي اصطفاه الله للتقديس، فإذن لو قام أحد من أهله بدعوى النبوة كان ذلك هو عين ما تقتضيه هذه الوقعة، وكان تفسيرًا للحكمة الخفية التي كانت في نصرة الله للمشركين ضد أهل الإيمان بطريق يفوق عالم الأسباب‏.

عند الميلاد

سكت عبد القادر، فقال الجمع: لقد وعدتنا بأن تحدثنا عن الإرهاصات المرتبطة بمولد محمد، فحدثنا عنها.

نجم محمد صلى الله عليه وآله وسلم:

 أجير بولس: عم تريدون أن يحدثكم؟.. عن نجم محمد!؟.. لم يظهر عند ولادة محمد أي نجم، كما ظهر للمسيح.

 عبد القادر: لقد روى الرواة ـ وهم لا يقلون عن رواة نجم المسيح ثقة ـ بأن نجما ظهر في الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسأذكر لكم بعض ما وري في ذلك.

لقد حديث حويصة بن مسعود قال: كنا ويهود فينا كانوا يذكرون نبيا يبعث بمكة اسمه أحمد، ولم يبق من الأنبياء غيره، وهو في كتبنا وما أخذ علينا صفته كذا وكذا حتى يأتوا على نعته.

قال: وأنا غلام وما أرى أحفظ وما أسمع أعي إذ سمعت صياحا من ناحية بني عبد الأشهل، فإذا قوم فزعوا وخافوا أن يكون أمر حدث، ثم خفي الصوت ثم عاد فصاح ففهمنا صياحه: يا أهل يثرب هذا كوكب أحمد الذي ولد به.

قال: فجعلنا نعجب من ذلك، ثم أقمنا دهرا طويلا ونسينا ذلك، فهلك قوم، وحدث آخرون، وصرت رجلا كبيرا، فإذا مثل ذلك الصياح بعينة: يا أهل يثرب قد خرج محمد، وتنبأ وجاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى عليه الصلاة والسلام.

فلم أنشب أن سمعت أن بمكة رجلا خرج يدعي النبوة، وخرج من قومنا وتأخر وأسلم فتيان منا أحداث ولم يقض لي أن أسلم، حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة([14]).

وعن حسان بن ثابت قال: إنى لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان، أعقل ما رأيت وسمعت، إذا بيهودي في يثرب يصرخ ذات غداة: يا معشر يهود، فاجتمعوا إليه ـ وأنا أسمع ـ فقالوا: ويلك مالك؟ قال: قد طلع نجم أحمد الذى يولد به في هذه الليلة([15]).

و عن مالك بن سنان قال: جئت بنى عبد الاشهل يوما لأتحدث فيهم، ونحن يومئذ في هدنة من الحرب، فسمعت يوشع اليهودي يقول: أظل خروج نبى يقال له أحمد يخرج من الحرم.

فقال له خليفة بن ثعلبة الاشهلى، كالمستهزئ به: ما صفته؟ فقال رجل ليس بالقصير ولا بالطويل، في عينيه حمرة، يلبس الشملة ويركب الحمار، سيفه على عاتقه وهذا البلد مهاجره.

قال: فرجعت إلى قومي بنى خدرة وأنا يومئذ أتعجب مما يقول يوشع، فأسمع رجلا منا يقول: ويوشع يقول هذا وحده!؟ كل يهود يثرب يقولون هذا.

قال أبى مالك بن سنان: فخرجت حتى جئت بنى قريظة فأجد جمعا، فتذاكروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال الزبير بن باطا: قد طلع الكوكب الأحمر الذى لم يطلع إلا لخروج نبى أو ظهوره، ولم يبق أحد إلا أحمد، وهذا مهاجره.

قال أبو سعيد: فلما قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبره أبى هذا الخبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لو أسلم الزبير لأسلم ذووه من رؤساء اليهود، إنما هم له تبع)([16])

وعن زيد بن ثابت قال: كان أحبار يهود بنى قريظة والنضير يذكرون صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما طلع الكوكب الأحمر أخبروا أنه نبي، وأنه لا نبى بعده، واسمه أحمد ومهاجره إلى يثرب، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة أنكروا وحسدوا وكفروا([17]).

وعن أسامة بن زيد قال: قال زيد بن عمرو بن نفيل: قال لى حبر من أحبار الشام: قد خرج في بلدك نبى، أو هو خارج، قد خرج نجمه، فارجع فصدقه واتبعه([18]).

أحداث كبرى:

قال رجل، عرفت بعد ذلك أنه مستأجر من طرف عبد الحكيم ليقوم بالدور الذي يقوم به أجير بولس: لقد سمعنا أشياء أخرى ارتبطت بمولده صلى الله عليه وآله وسلم منها ارتجاس الإيوان، وسقوط الشرفات، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، وغيرها من الإرهاصات.

 عبد القادر: أجل.. لقد رويت في ذلك روايات كثيرة، وهي لا تقل عن مرويات الأناجيل وثوقا، فقد تحدث بعض المعاصرين لميلاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: لما كانت الليلة التى ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ارتجس إيوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوة([19]).

ليس هذا فقط.. بل قد انتشر خبر ميلاده صلى الله عليه وآله وسلم بين الكثير من الأحبار والرهبان([20])، لعلامات خاصة كانوا يعرفونها، ومن ذلك ما ما رواه الرواة أنه كان بمر الظهران راهب من الرهبان يدعى عيصا من أهل الشام، وكان متخفرا بالعاص بن وائل، وكان الله قد آتاه علما كثيرا، وجعل فيه منافع كثيرة لأهل مكة من طيب ورفق وعلم.

وكان يلزم صومعة له ويدخل مكة في كل سنة، فيلقى الناس ويقول: إنه يوشك أن أن يولد فيكم مولود يا أهل مكة يدين له العرب ويملك العجم، هذا زمانه، ومن أدركه واتبعه أصاب حاجته، ومن أدركه، فخالفه أخطأ حاجته، وبالله ما تركت أرض الخمر والخمير والامن ولا حللت بأرض الجوع والبؤس والخوف إلا في طلبه.

وكان لا يولد بمكة مولد إلا يسأل عنه، فيقول: ما جاء بعد، فيقال له: فصفه، فيقول لا.

ويكتم ذلك للذى قد علم أنه لاق من قومه، مخافة على نفسه أن يكون ذلك داعية إلى أدنى ما يكون إليه من الاذى يوما.

ولما كان صبيحة اليوم الذى ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج عبد الله بن عبد المطلب حتى أتى عيصا، فوقف في أصل صومعته، ثم نادى: يا عيصاه، فناداه من هذا؟ فقال: أنا عبد الله.

فأشرف عليه فقال: كن أباه فقد ولد المولود الذى كنت أحدثكم عنه يوم الاثنين، ويبعث يوم الاثنين، ويموت الاثنين.

قال: فإنه قد ولد لى مع الصبح مولود.

قال: فما سميته؟ قال: محمدا قال: والله لقد كنت أشتهى أن يكون هذا المولود فيكم أهل البيت لثلاث خصال نعرفه بها، منها أن نجمه طلع البارحة، وأنه ولد اليوم، وأن اسمه محمد، انطلق إليه فإن الذى كنت أخبركم عنه ابنك.

قال عبد الله: فما يدريك أنه ابني؟ ولعله أن يولد في هذا اليوم مولود غيره؟ قال: قد وافق ابنك الاسم، ولم يكن الله ليشبه علمه على العلماء، فإنه حجة، وآية ذلك أنه الآن وجع، فيشتكى أياما ثلاثة، فيظهر به الجوع ثلاثا ثم يعافى، فاحفظ لسانك، فإنه لم يحسد أحد حسده قط، ولم يبغ على أحد كما يبغى عليه، إن تعش حتى يبدو مقاله، ثم يدعو لظهر لك من قومك ما لا تحتمله إلا على صبر وعلى ذل، فاحفظ لسانك ودار عنه، قال: فما عمره؟ قال: إن طال عمره وإن قصر لم يبلغ السبعين، يموت في وتر دونها من الستين في إحدى وستين أو ثلاث وستين في أعمار جل أمته([21]).

أنوار الميلاد:

 أجير بولس: هل حدث شيء عند ميلاده ينبئ عنه؟

 عبد القادر: أجل.. لقد روى الرواة الكثير من ذلك..

وأول ذلك ما من الله به على أمه من أنها لم تجد مشقة في حمله، بل إن الله تعالى بشرها بحمله، وبما له من شأن عظيم:

فقد ذكرت آمنة ـ أم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنها لما حملت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت تقول: ما شعرت أني حملت به، ولا وجدت ثقله كما تجد النساء إلا أنني أنكرت رفع حيضتي وربما ترفعني وتعود وأتاني آت وأنا بين النائم واليقظان فقال لي: هل شعرت أنك حملت؟ فأقول: ما أدري فقال: إنك حملت بسيد هذه الأمة ونبيها وذلك يوم الأثنين وآية ذلك أنه يخرج معه نور يملأ قصور بصرى من أرض الشام، فإذا وضع فسميه محمدا.

قالت: فكان ذلك مما يقن عندي الحمل، ثم أمهلني حتى إذا دنت ولادتي أتاني ذلك فقال قولي: (أعيذه بالواحد من شر كل حاسد)، قالت: فكنت أقول ذلك، فذكرته لنسائي فقلن: تعلقي عليك حديدا وفي عضديك وفي عنقك([22])، ففعلت، فلم يكن يترك علي إلا أياما، فأجده قد قطع، فكنت لا أتعلقه([23]).

وعن ابن عباس أن آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قالت: (لقد علقت به فما وجدت له مشقة حتى وضعته)([24])

وكانت آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحدث أنها أتيت حين حملت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع إلى الأرض فقولي: أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، من كل بر عاهد وكل عبد رائد، يذود عنى ذائد، فإنه عند الحميد الماجد، حتى أراه قد أتى المشاهد([25]).

وروي عن أبي جعفر محمد بن علي قال: أمرت آمنة وهي حبلى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تسميه أحمد([26]).

وعند مولده ظهرت الأنوار العظيمة التي أشار إليها قوله صلى الله عليه وآله وسلم عندما سئل:يا رسول الله أخبرنا عن نفسك، فقال: (أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام)([27])

وقد ذكرت بعض النسوة الحاضرات مولده صلى الله عليه وآله وسلم هذه الأنوار، فعن عثمان بن أبى العاص، قال: حدثتني أمي، أنها شهدت ولادة آمنة بنت وهب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة ولدته، قالت: فما شئ أنظره في البيت إلا نور، وإنى أنظر إلى النجوم تدنو حتى إنى لأقول: لتقعن على([28]).

وقد اشتهر هذا النور الذي ظهر وقت ولادته صلى الله عليه وآله وسلم في قريش وكثر ذكره فيهم، وإلى ذلك أشار عمه العباس في قوله في مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

وأنت لما ولدت أشرقت الأرض

 

وضاءت بنورك الأفق

فنحن في ذلك الضياء وفي النو

 

ر وسبل الرشاد نخترق

وقد قال الشاعر يذكر تلك الأنوار:

لما استهل المصطفى طالعا  أضاء الفضا من نوره الساطع

وعطر الكون شذى عطره الطيب   من دان ومن شاسع

ونادت الأكوان من فرحة         يا مرحبا بالقمر الطالع

وفي خروج هذا النور معه صلى الله عليه وآله وسلم حين وضعته إشارة إلى ما يجئ به من النور الذي اهتدى به أهل الأرض، كما قال الله تعالى:﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (المائدة: 15)

ومما حصل عند مولده ما ذكره الرواة من أنه وقع على يديه، رافعا رأسه إلى السماء، وقبض قبضة من تراب:

فعن موسى بن عبيدة عن أخيه قال: لما ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوقع على يديه رافعا رأسه إلى السماء وقبض قبضة من تراب، فبلغ ذلك رجلا من لهب فقال لصاحبه: انجه لئن صدق الفأل ليغلبن هذا المولود أهل الأرض ([29]).

وعن محمد بن عمر الأسلمي بأسانيد له متعددة عن آمنة أنها قالت: لما وضعته خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب، ثم وقع جاثيا على ركبتيه معتمدا على الأرض بيديه، ثم أخذ قبضة من تراب وقبضها ورفع رأسه إلى السماء، وأضاءت له قصور الشام وأسواقها، حتى رأيت أعناق الإبل ببصرى([30]).

وعن حسان بن عطية أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما ولد وقع على كفيه وركبتيه شاخصا ببصره إلى السماء([31]).

وقد رووا أن المولود كان إذا ولد في قريش دفعوه إلى نسوة من قريش إلى الصبح يكفأن عليه برمة، فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دفعه عبد المطلب إلى نسوة، فكفأن عليه برمة، فلما أصبحن أتين فوجدن البرمة قد انفلقت عنه باثنتين، ووجدنه مفتوح العينين شاخصا ببصره إلى السماء.

فأتاهن عبد المطلب فقلن له: ما رأينا مولودا مثله، وجدناه قد انفلقت عنه البرمة، ووجدناه مفتوحا عينيه شاخصا ببصره إلى السماء.

فقال: احفظنه فإنى أرجو أن يكون له شأن، أو أن يصيب خيرا.

فلما كان اليوم السابع ذبح عنه ودعا له قريشا، فلما أكلوا قالوا: يا عبد المطلب، أرأيت ابنك هذا الذى أكرمتنا على وجهه، ما سميته؟ قال: سميته محمدا.

قالوا: فما رغبت به عن أسماء أهل بيته؟ قال: أردت أن يحمده الله في السماء وخلقه في الأرض.

بعد الميلاد

بعد أن أنهى عبد القادر حديثه عن الإرهاصات المرتبة بمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، استحثه أجير بولس قائلا: لقد حدث بعد ميلاد المسيح الإرهاصات الكثيرة المنبئة عن عظم شأنه، فهل حصل مثلها لمحمد؟

 عبد القادر: إن المسيح ومحمدا أخوان.. وقد أظهر الله للناس ما يدل على مكانتهما، ليتبعوهما، وليس بينهما أي تنافس في هذا، ولا في غيره.

فكلاهما عبد لله، وكلاهما يبشر بما أمره الله أن يبشر به.

غلام له شأن:

 أجير بولس: لقد ذكر الكتاب المقدس عن المسيح أن المجوس عرفوا أنه المسيح.

 عبد القادر: وقد روي من ذلك الكثير عن معرفة أهل الكتاب وغيرهم بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، فقد روي عن رجل من العرب كان عائفا، فكان إذا قدم مكة أتاه رجال قريش بغلمانهم ينظر إليهم ويعتاف لهم فيهم، فأتى به أبو طالب، وهو غلام مع من يأتيه، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم شغله عنه شيء، فلما فرغ قال: الغلام.. علي به، فلما رأى أبو طالب حرصه عليه غيبه عنه، فجعل يقول: ويلكم ردوا علي الغلام الذي رأيت آنفا، فوالله ليكونن له شأن، فانطلق به أبو طالب خوفا عليه([32]).

وعندما خرج مع عمه أبي طالب في تجارة إلى الشام، ونزل الركب ببصرى، كان هناك راهب يقال له (بحيرى) في صومعة له، وكانوا كثيرا ما يمرون به قبل ذلك فلا يكلمهم ولا يعرض لهم حتى كان ذلك العام، فلما نزلوا به قريبا من صومعته صنع لهم طعاما كثيرا، وسبب ذلك هو أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو في صومعته في الركب حين أقبلوا، وغمامة تظله من بين القوم، ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريبا منه، فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة، وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى استظل تحتها، فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته، ثم أرسل إليهم فقال: إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، فأنا أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم وعبدكم وحركم.

فقال له رجل منهم: والله يا بحيرى إن لك لشأنا اليوم، فما كنت تصنع هذا بنا، وقد كنا نمر بك كثيرا، فما شأنك اليوم؟

فقال له بحيرى: صدقت، قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف، وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما، فتأكلوا منه كلكم.

فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة، فلما نظر بحيرى في القوم لم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده، فقال: يا معشر قريش، لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي ؛ قالوا له: يا بحيرى، ما تخلف عنك أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام وهو أحدث القوم سنا، فتخلف في رحالهم فقال لا تفعلوا، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم.

فقال رجل من قريش مع القوم: واللاتي والعزى، إن كان للؤم بنا أن يتخلف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام.

فلما رآه بحيرى جعل يلحظه لحظا شديدا، وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا، قام إليه بحيرى، فقال له: يا غلام أسألك بحق اللاتي والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، وإنما قال له بحيرى ذلك، لأنه سمع قومه يحلفون بهما، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تسألني باللاتي والعزى، فوالله ما أبغضت شيئا قط بغضهما)، فقال له بحيرى: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال له: (سلني عما بدا لك)، فجعل يسأله عن أشياء من حاله في نومه وهيئته وأموره فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخبره، فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته، ثم نظر إلى ظهره، فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده، فلما فرغ أقبل على عمه أبي طالب فقال له: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني. قال له بحيرى: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا؛ قال: فإنه ابن أخي ؛ قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به قال: صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه يهود فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع به إلى بلاده([33]).

رؤى صادقة:

 عبد القادر: ومن الإرهاصات المعرفة بعظم شأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رؤى كثيرة رؤيت تنبئ بأن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم هو رسول الله الذي كان ينتظره العالم.

ومن تلك الرؤى ما حدث به أبو طالب عن رؤيا أبيه عبد المطلب، قال: بينما أنا نائم في الحجر، رأيت رؤيا هالتني، ففزعت منها فزعا شديدا، فأتيت كاهنة قريش وعلي مطرف خز وجمتي تضرب منكبي، فقلت لها: إني رأيت الليلة كأن شجرة نبتت قد نال رأسها السماء، وضربت بأغصانها المشرق والمغرب، وما رأيت نورا أزهر منها، أعظم من نور الشمس بسبعين ضعفا، ورأيت العرب والعجم لها ساجدين، وهي تزداد كل ساعة عظما ونورا وارتفاعا، ساعة تخفى وساعة تظهر، ورأيت رهطا من قريش قد تعلقوا بأغصانها، ورأيت قوما من قريش يريدون قطعها، فإذا دنوا منها أخذهم شاب لم أر قط أحسن منه وجها، ولا أطيب منه ريحا، فيكسر أظهرهم ويقلع أعينهم، فرفعت يدي لأتناول منها نصيبا، فلم أقدر فقلت: لمن النصيب؟ قال: النصيب لهؤلاء الذين تعلقوا بها، وسبقوك، فانتبهت مذعورا.

فرأيت وجه الكاهنة قد تغير، ثم قالت: لئن صدقت رؤياك ليخرجن من صلبك رجل يملك المشرق والمغرب ويدين له الناس.

فقال عبد المطلب لأبي طالب: لعلك أن تكون عم هذا المولود.

فكان أبو طالب يحدث بهذا الحديث، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قد خرج ويقول: كانت الشجرة والله أبا القاسم الأمين([34]).

ومن تلك الرؤى التي سبقت مبعثه الشريف صلى الله عليه وآله وسلم ما روي عن أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص قالت، قبيل مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كان خالد بن سعيد بن العاص ذات ليلة نائما فقال: رأيت كأنه قد غشيت مكة ظلمة عظيمة حتى لا يبصر امرؤ كفه، فبينما هو كذلك إذ خرج نور من زمزم، ثم علا في السماء، فأضاء في البيت، ثم أضاءت مكة كلها، ثم ضرب إلى نخل يثرب فأضاءها، حتى إني لأنظر إلى البسر في النخل، فاستيقظت، فقصصتها على أخي عمرو بن سعيد، وكان جزل الرأي فقال: يا أخي إن هذا لأمر يكون في بني عبد المطلب، ألا ترى أنه خرج من حفرة أبيهم.

قال خالد: فإنه لمما هداني الله للإسلام.

قالت أم خالد: فأول من أسلم ابني وذلك أنه ذكر رؤياه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال يا خالد: أنا والله ذلك النور وأنا رسول الله.

فقص عليه ما بعثه الله به فأسلم خالد وأسلم عمرو بعده ([35]).

ومما يروى من هذا عن حرام بن عثمان الأنصاري قال: قدم أسعد بن زرارة من الشام تاجرا في أربعين رجلا من قومه، فرأى رؤيا أن آتيا أتاه، فقال: إن نبيا يخرج بمكة يا أبا أمامة، فاتبعه، وآية ذلك أنكم تنزلون منزلا، فيصاب أصحابك، فتنجو أنت، وفلان يطعن في عينه.

فنزلوا منزلا، فبيتهم فيه الطاعون، فأصيبوا جميعا غير أبي أمامة، وصاحب له طعن في عينه([36]).

ومما يروى في هذا عن عمرو بن مرة الجهني قال: خرجت حاجا في جماعة من قومي في الجاهلية، فرأيت في المنام وأنا بمكة نورا ساطعا خرج من الكعبة حتى أضاء لي من الكعبة إلى جبل يثرب وأشعر جهينة، فسمعت صوتا في النور، وهو يقول: انقشعت الظلم وسطع الضياء وبعث خاتم الأنبياء.

ثم أضاء إضاءة أخرى حتى نظرت إلى قصور الحيرة وأبيض المدائن، فسمعت صوتا في النور، وهو يقول: ظهر الإسلام، وكسرت الأصنام، ووصلت الأرحام.

فانتبهت فزعا، فقلت لقومي: والله ليحدثن في هذا الحي من قريش حدث، وأخبرتهم بما رأيت.

فلما انتهينا إلى بلادنا جاءنا خبر أن رجلا يقال له أحمد قد بعث، فخرجت حتى أتيته فأخبرته بما رأيت فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (يا عمرو بن مرة أنا النبي المرسل إلى العباد كافة أدعوهم إلى الإسلام وآمرهم بحقن الدماء وصلة الأرحام وعبادة الله ورفض الأصنام وحج بيت الله وصيام شهر رمضان شهر من اثني عشر شهرا، فمن أجاب فله الجنة ومن عصى فله النار، فآمن بالله يا عمرو بن مرة يؤمنك الله من هول جهنم)

فقلت: يا رسول الله، آمنت بما جئت به من حلال وحرام.

ثم أنشدته أبياتا قلتها حين سمعت به وهي:

شهدت بأن الله حق وأنني    لآلهة الأصنام أول تارك

لأصحب خير الناس نفسا ووالدا رسول مليك الناس فوق الحبائك ([37])

عصمة النشأة:

 أجير بولس: لقد حفظ المسيح من صغره من تأثيرات البيئة اليهودية المنحرفة، فهل حفظ محمد؟

 عبد القادر: أجل.. ومما يروى في ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يحكي عن صباه: لقد رأيتني في غلمان قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان كلنا قد تعرى، وأخذ إزاره، فجعله على رقبته يحمل عليه الحجارة، فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر إذ لكمني لاكم ما أراه لكمة وجيعة، ثم قال: شد عليك إزارك ؛ قال: فأخذته وشددته علي، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري علي من بين أصحابي([38]).

وفي حديث آخر عن ابن عباس قال: حدثني أبي العباس بن عبد المطلب قال: لما بنت قريش الكعبة انفردت رجلين رجلين ينقلون الحجارة، فكنت أنا وابن أخي، فجعلنا نأخذ أزرنا، فنضعها على مناكبنا، ونجعل عليها الحجارة، فإذا دنونا من الناس لبسنا أزرنا، فبينا هو أمامي إذ صرع، فسعيت، وهو شاخص ببصره إلى السماء، فقلت: يا بن أخي ما شأنك؟ قال: نهيت أن أمشي عريانا.

قال: فكتمته حتى أظهره الله بنوته([39]).

ومما له علاقة بهذا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يحلف بحلف أهل الجاهلية الذين كانوا يحلفون بأصنامهم، ومما يروى في ذلك أن بحيرا حين ناشد النبي صلى الله عليه وآله وسلم باللات والعزى، قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تسألني باللات والعزى شيئا، فوالله ما أبغضت بغضهما شيئا)([40])

ويخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه ما هم بشيء من فعل الجاهلية من اللهو، ولو كان من المباح، فعن علي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (ما هممت بشئ مما كان أهل الجاهلية يهمون به من الغناء إلا ليلتين كلتاهما عصمني الله منهما.

ثم ذكر تينك الليلتين، فقال: (قلت ليلة لبعض فتيان مكة، ونحن في رعاية غنم أهلنا، فقلت لصاحبي: أبصر لي غنمي حتى أدخل مكة، فأسمر بها كما يسمر الفتيان، فقال: بلى، فدخلت حتى إذا جئت أول دار من دور مكة سمعت عزفا وغرابيل ومزامير، قلت ما هذا؟ قيل: تزويج فلان فلانة، فجلست أنظر، وضرب الله على أذني، فو الله ما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟ فقلت: (ما فعلت شيئا)، ثم أخبرته بالذي رأيت.

ثم قلت له ليلة أخرى: أبصر لي غنمي حتى أسمر بمكة، ففعل، فدخلت، فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة، فجلست أنظر، وضرب الله على أذني، فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي، فقال: ما فعلت؟ فقلت: لا شي، ثم أخبرته بالذي رأيت، فو الله ما هممت ولا عدت بعدهما لشئ من ذلك، حتى أكرمني الله بنبوته([41]).

وإذا كان بهذه الحالة، فحري به أن لا يقع فيما كان يقع فيه أهل الجاهلية من عبادة الأصنام وشرب الخمر وغيرها، وقد ذكر علي أنه قيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: هل عبدت وثنا قط؟، قال: (لا) قالوا: فهل شربت خمرا قط؟ قال: (لا وما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر، وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان)([42])

وفوق هذا كله، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غاية الخلق والنبل، حتى لقبه قومه (الصادق الأمين)([43])

ولهذا عندما نادى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قريش بطنا بطنا فقال: (أرأيتم لو قلت لكم: إن خيلا بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟)، قالوا: نعم ما جربنا عليك كذبا قط([44]).

***

 لست أدري كيف ظهر لبولس أن ينصرف، ويجرني معه، ليترك عبد القادر وعبد الحكيم مع الجمع يذكرون لهم ميلاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والإرهاصات التي ارتبطت به، والتي لا تقل عن الإرهاصات التي ارتبطت بميلاد المسيح وغيره من الأنبياء.

انصرفت مع بولس، وفي قلبي بصيص من النور اهتديت به بعد ذلك إلى شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

ثانيا ـ بركات

في اليوم الثاني.. جاءني بولس صباحا، وأخبرني أننا مدعوان لوجبة غذاء مفتوحة عند بعض الوجهاء من مسيحيي المنطقة، وأخبرني كيف سيستغل الموقف ليبشر ببركات المسيح، والتي ستجر الحاضرين إلى المسيح، وبعده إلى الكنيسة.

ذهبنا إلى تلك الوجبة التي أقيمت في ساحة عامة، وقد حضرها جمع كبير من فقراء المسلمين.. وقد لمحت من بينهم عبد القادر وعبد الحكيم، وكأنهما علما بالدعوة الموجهة إلينا، وبما عزم بولس أن يقوله ذلك اليوم.

بعد انتهاء الغذاء، وقف أجير بولس، والذي حفظ كل ما يقوله في هذه المواقف، وقال: أيها الجمع المبارك.. لقد شرفنا اليوم رجل تقي من رجال الله بالجلوس معنا، وبالأكل من الطعام الذي أكلنا منه.. ولذلك فإنه من دواعي سرورنا أن يحدثنا ـ في هذه المناسبة ـ عن البركات التي ارتبطت بأعظم المباركين في الأرض، وما فتح عليهم من خزائن البركات.. ليكون ذلك مفتاحا لنا نفتح به أبواب بركات الله.

وقف بولس، وقال: أيها الجمع المبارك، لقد طلب مني هذا الرجل الفاضل أن أحدثكم عن البركات.. وما كان لهذا العبد الضعيف أن يتأخر عن هذا الطلب..

ولذلك أبادر، فأقول لكم: هيا نبحث جميعا عن هذا المبارك العظيم الذي امتلأ بالبركات، وملأ ما حوله بالبركات..

ولنيسر البحث عنه أسألكم: ما تقولون فيمن يشبع أكثر من خمسة آلاف رجلٍ مع من معهم من أطفال ونساء بخمسة خبزات وسمكتين؟

تعجب الجميع، وقال بعضهم لبعض: هل يمكن هذا.. إن هذا لغريب!؟

 بولس: نعم هو غريب.. هو في غاية الغرابة.. ولكنه عند المسيح بسيط غاية البساطة.

 أجير بولس: حدثنا عن قصة ذلك.. كيف حصل ذلك؟

 بولس: لقد نص على هذه الحادثة الكتاب المقدس.. لقد ورد فيه هذا النص الذي يثبت لكم ما ذكرته: (ثم أخذ الأرغفة لخمسة والسمكتين ورفع نظره نحو السماء وبارك وكسر وأعطى الأرغفة للتلاميذ والتلاميذ للجموع، فأكل الجميع وشبعوا، ثم رفعوا ما فضل من الكسر: اثنتي عشرة قفة مملوءة، والآكلون كانوا نحو خمسة آلاف رجل ما عدا النساء والأولاد)(متى:14/19-21)([45])

 أجير بولس: حدثنا عن القصة من مبدئها.

استغل بولس هذا السؤال ليجعل من القصة موعظة يكسب بها جمهور الحاضرين، فقال: في ذلك المساء الذي حصلت فيه تلك المعجزة، تقدم التلاميذ الاثنا عشر إلى المسيح الذي كان يعظ الجموع الكثيرة، وقالوا له: (الموضع خلاء والوقت مضى، اصرف الجموع لكي يمضوا إلى الضياع والقرى حوالينا، فيبيتوا ويبتاعوا لهم طعاما، لأننا ههنا في موضع خلاء، وليس عندهم ما يأكلون)

لقد خاف التلاميذ أن يطالبهم الجمهور بحقوق الضيافة، وحسبوا أن هؤلاء الرجال والنساء والأطفال مع مرضاهم يتضررون إذا دخل الليل عليهم في هذا الخلاء.

وهنا وجه المسيح لفيلبس جوابه على هذا الكلام، وكان في صيغة سؤال عن مكان يوجد فيه طعام، وكأنه يكلف فيلبس بتدبير ما يلزم لهؤلاء الضيوف، سأله المسيح: (من أين نبتاع خبزا ليأكل هؤلاء؟)

لم يقل المسيح ذلك ليستفهم، بل ليمتحن ويعلم، لأنه كان يعلم جيدا ما سيفعل، لكنه أراد أن ينبه تلاميذه إلى عجزهم وضعف إيمانهم، لأن درس التواضع درس أولي يجب أن يتعلموه.

كان فيلبس متنبها إلى صعوبة الأمر من وجوه عديدة، فعمل حسابا بأن الخبز وحده يكلف أكثر من مئتي دينار، فأين الدنانير؟ هل هي عند المسيح الذي ليس له ما يسند رأسه؟.. وفضلا عن ذلك: لو وجدوا الدنانير، فأين الوقت للذهاب إلى قرى عديدة لجمع كمية كهذه، ولو من الخبز وحده والإتيان به، والشمس أوشكت أن تغرب؟.. وفوق هذا كله: أين وسائل النقل لإحضار طعام يكفي الألوف؟ ويلاحظ أيضا أن حصة يسيرة من الخبز الحاف لا تقوم بضيافة يليق أن يقدمها شخص كالمسيح لضيوفه.

بناء على هذا كله أجاب فيلبس المسيح: (لا يكفيهم خبز بمئتي دينار ليأخذ كل واحد منهم شيئا يسيرا)، وظن أن جوابه يقنع، المسيح فيتبع نصيحة الرسل ويصرف الجمع، لكن عجبه اشتد لما أجابه المسيح: (لا حاجة لهم أن يمضوا، أعطوهم أنتم ليأكلوا)

لقد قال المسيح ذلك، وهو يعلم أنه ليس لديهم طعام، ليعلمهم أن الذين يقصدون إفادة الآخرين يحتاجون إليه، إذ ليس لديهم ما يطعمون به نفوسا جائعة، وفي الوقت ذاته يشير إلى أن الله يختار الوسائط البشرية ليجري مقاصده في العالم، لأنه لا يوزع خيراته الروحية والزمنية رأسا، أو بواسطة الملائكة إلا نادرا - وذلك عندما لا توجد وسائط بشرية، وهذا القانون هو لخير الذين يقدمون والذين يأخذون معا، إذ تنشأ بذلك ربط المحبة بين المحسن والمحسن إليه، ويتنشط الذي يوزع في ممارسة إنكار الذات وخدمة الآخرين.

لكن التلاميذ اعترضوا على أمر المسيح قائلين: (أنمضي ونبتاع خبزا بمئتي دينار ونعطيهم ليأكلوا؟)، فسأل: (كم رغيفا عندكم؟ اذهبوا وانظروا)

لقد نبههم المسيح بهذا الكلام إلى أن العمل الإلهي لا يغني عن العمل البشري المستطاع، ولم يرد أن يوجد خبزا من لا شيء، طالما يوجد شيء، فاستخدم أولا الموجود بين أيديهم ليعلمهم أن لا يطلبوا من الناس عملا يستطيعونه بالوسائط الطبيعية، لأن هذه دبرها لهم الله، فلا حق لهم في غيرها، إلا بعد الفراغ من استعمالها.

فاعتماد الإنسان على غيره في ما يستطيعه يحسب دناءة، وانتظاره أن الله يعمل ما يطلب منه هو يعد كسلا وتواكلا، فمتى عجز العمل الإنساني أو انتهى، يحق طلب العمل الإلهي.

وكان أندراوس تلميذ المسيح الأول قد لاحظ غلاما بين الجمهور معه خمسة أرغفة شعير وسمكتان، فأخبر المسيح عنه مع التحفظ قائلا: (لكن ما هذا لمثل هؤلاء؟)

ولم يقل المسيح بعد أن سمع بوجود هذا القليل: (اتركوه لأنه لا يستحق الذكر)، ولا قال: (قدموها للجمع)، بل قال: (إيتوني بها إلى هنا) ليعلمهم أنه هو مصدر الخير والبركة، هو الملك وصاحب الحق.. وكل ما عندنا هو له، يتصرف فيه كما يشاء دون معارض.

ولما كان الترتيب من أبواب الرقي في الدين والدنيا، فلا نعجب من اهتمام المسيح به، فأمر أن يجعلوا الناس يتكئون فرقا خمسين خمسين على العشب الأخضر، فلو توزع الطعام على هذه الألوف دون ترتيب، لداس بعضهم بعضا، وتغلب القوي على الضعيف. وأخذ البعض كثيرا والبعض لم يأخذوا شيئا، لكن بواسطة الترتيب يتم التوزيع بسرعة ولياقة وإنصاف، ويرى كل مفكر في أمور الطبيعة، اهتمام الخالق بأمر الترتيب.

وبعد أن شكر المسيح بارك وكسر الأرغفة والسمكتين، ثم ناول الكسر التي باركها للرسل ليقدموها للمصطفين فرقا على البساط الأخضر، وفي هذا العمل علمهم أن يطعموا غيرهم أولا، ثم يأكلوا هم بعدهم، كما يجدر بالمؤمنين الأفاضل.

وفي أثناء التوزيع على هذا العدد الغفير حدثت معجزة الإكثار، فقد قسم السمكتين على الجميع بقدر ما شاءوا فأكلوا وشبعوا جميعا، وليس ذلك فقط بل إن القطع التي لم تؤكل كانت أضعاف الموجود أصلا.

بهذه المعجزة المؤثرة الغنية بالفوائد، علم المسيح أتباعه أنه مستعد أن يأخذ خدمتهم الدينية الضعيفة، وكلامهم البسيط، ويضع فيها قوة وتأثيرا ليزيد فعلهما أضعاف فعلهما الطبيعي، لأنه يأخذ ما يقدم له ويزيده، ثم يعيده لمقدمه زائدا.

بعد أن أطعم المسيح الجموع هتفوا له، وأرادوا أن يملكوه عليهم، وكان رد فعله الأول هو أنه فصل تلاميذه عن الجمهور المتحمس لهذا العمل، وألزمهم أن يدخلوا السفينة، ويسبقوه إلى العبر، حتى يكون قد صرف الجموع.

لم يسهل عليهم ترك سيدهم أثناء نجاحه الباهر، وانتشار صيته، خصوصا بعد أن ظهر لهم أن باب العظمة العالمية، والثروة الزمنية، قد فتح أمامهم، وإن كان المسيح قد صرفهم بشيء من العنف، لأنهم رفضوا فكره، نراه يتبع العنف باللطف، لأن البشير يذكر صريحا أنه ودعهم. ومع أنه سيفترق عنهم ساعات قليلة فإنه يودعهم وداعا حبيا يحقق لهم به عواطفه الحارة نحوهم.

وكان رد فعل المسيح الثاني أنه صرف الجمهور.

وكانت خطوته الثالثة انصرافه هو، وصعوده منفردا إلى الجبل ليصلي، وما أكثر المرات التي كان فيها يختلي للصلاة.

ليس هذا فقط ما روي من بركات المسيح..

لقد ورد في محل آخر من الكتاب المقدس أنه قام بإطعام أربعة آلاف وثني.. اسمعوا ما جاء في الكتاب المقدس.

فتح الكتاب المقدس وراح يقرأ: (في تلك الأيام إذ كان الجمع كثيرا جدا، ولم يكن لهم ما يأكلون، دعا يسوع تلاميذه وقال لهم: (إني أشفق على الجمع، لأن الآن لهم ثلاثة أيام يمكثون معي، وليس لهم ما يأكلون، وإن صرفتهم إلى بيوتهم صائمين يخورون في الطريق، لأن قوما منهم جاءوا من بعيد). فأجابه تلاميذه: (من أين يستطيع أحد أن يشبع هٰؤلاء خبزا هنا في البرية؟) فسألهم: (كم عندكم من الخبز؟) فقالوا: (سبعة). فأمر الجمع أن يتكئوا على الأرض، وأخذ السبع خبزات وشكر وكسر وأعطى تلاميذه ليقدموا، فقدموا إلى الجمع. وكان معهم قليل من صغار السمك، فبارك وقال أن يقدموا هٰذه أيضا. فأكلوا وشبعوا، ثم رفعوا فضلات الكسر: سبعة سلال. وكان الآكلون نحو أربعة آلاف. ثم صرفهم) (مرقس 8: 1-9).

أغلق الكتاب المقدس، وقال: لقد أجرى المسيح معجزة إشباع خمسة آلاف نفس في الجليل، وأجرى معجزة إشباع أربعة آلاف نفس في دائرة ديكابوليس، أي (المدن العشر)، وهي من البلاد الوثنية.

لقد اجتمع الناس هناك من حول المسيح في البرية، وطال اجتماعهم به ثلاثة أيام حتى نفد الزاد، لأن قوما جاءوا من بعيد، فحمله إشفاقه على تكرار إشباع الجمهور بمعجزة.

وإشفاق المسيح هذا يرافق كل فرد من البشر من مهده إلى لحده. كان كلامه الحنون: (لست أريد أن أصرفهم إلى بيوتهم صائمين لئلا يخوروا في الطريق) لا يسعنا إلا أن نستغرب تكرار التلاميذ اعتذارهم بالعجز في صيف ذات السنة التي في ربيعها أشبع المسيح جمعا أكثر بشيء زهيد من الطعام، غير أن المسيح بكتهم بعد قليل على نسيان المعجزتين معا وعدم استفادتهم منهما، فالشكوك الحاضرة تولد نسيان المراحم الماضية.

ازداد استغراب الجمهور الحاضر، فقال أجير بولس: إن هذه عجائب عظيمة تدل على أن الذي فعلها لا يقل عن الرب في قدراته وتصرفاته وبركاته.

سر بولس لهذا الكلام، وقال: صدقت.. ففي المعجزة الأولى التي حول المسيح فيها من الرغيف الواحد طعاما يشبع أكثر من ألف رجل غير النساء والأطفال، بل وفضل عنه حوالي قفتين ونصف، كما حول من أقل نصف سمكة صغيرة إلى سمك كثير أشبع أكثر من ألف شخص.

وفي المعجزة الثانية فعل تقريبا نفس ما فعله في الأولى.

إن هذا كله يعني أن ما حدث علي يديه هو عملية خلق، خلق من الرغيف الواحد كما كبيرا من الأرغفة، وخلق من أقل من نصف سمكة صغيرة كمية كبيرة من السمك.

قال ذلك، ثم توجه للحاضرين قائلا: هل يمكن أن يكون الذي فعل هذا مجرد إنسان!؟

سكت الجميع، فقال بولس: لا.. إن الذي فعل هذا لا يمكن إلا أن يكون إلها، أو أقنوما من إله([46])

هنا قام عبد الحكيم، وقال: بناء على قولك هذا.. فإنه ليس المسيح وحده من نال هذه المرتبة العظيمة.. فاستحق أن يصير إلها، أو أقنوما من إله.

 أجير بولس: لا.. ليس هناك غير المسيح.

 عبد الحكيم: لقد ذكر الكتاب المقدس تكثير الطعام ومباركته عن غير المسيح، فقد ذكر عن إيلياء تكثير الدقيق والزيت في بيت امرأة أرملة.. كما جاء في الكتاب المقدس.

فتح الكتاب المقدس، وراح يقرأ: (وقال إيليا التشبي من أهل جلعاد لأخآب: (حي هو الرب إله إسرائيل الذي أخدمه، إنه لن يهطل ندى ولا مطر في هذه السنين، إلا حين أعلن ذلك)، وأمر الرب إيليا: (امض من هنا واتجه نحو المشرق، واختبىء عند نهر كريث المقابل لنهر الأردن، فتشرب من مياهه وتقتات مما تحضره لك الغربان التي أمرتها أن تعولك هناك)، فانطلق ونفذ أمر الرب، وأقام عند نهر كريث مقابل نهر الأردن، فكانت الغربان تحضر إليه الخبز واللحم صباحا ومساء، وكان يشرب من ماء النهر. وما لبث أن جف النهر بعد زمن، لأنه لم يهطل مطر على الأرض.

فخاطب الرب إيليا: (قم وتوجه إلى صرفة التابعة لصيدون، وامكث هناك، فقد أمرت هناك أرملة أن تتكفل بإعالتك) فذهب إلى صرفة. وعندما وصل إلى بوابة المدينة شاهد امرأة تجمع حطبا، فقال لها: (هاتي لي بعض الماء في إناء لأشرب). وفيما هي ذاهبة لتحضره ناداها ثانية وقال: (هاتي لي كسرة خبز معك)، فأجابته: (حي هو الرب إلهك إنه ليس لدي كعكة، إنما حفنة دقيق في الجرة، وقليل من الزيت في قارورة. وها أنا أجمع بعض عيدان الحطب لآخذها وأعد لي ولابني طعاما نأكله ثم نموت)، فقال لها إيليا: (لا تخافي. امضي واصنعي كما قلت، ولكن أعدي لي منه كعكة صغيرة أولا وأحضريها لي، ثم اعملي لك ولابنك أخيرا، لأن هذا ما يقوله الرب إله إسرائيل: إن جرة الدقيق لن تفرغ، وقارورة الزيت لن تنقص، إلى اليوم الذي يرسل فيه الرب مطرا على وجه الأرض)، فراحت إلى منزلها ونفذت كلام إيليا، فتوافر لها طعام لتأكل هي وابنها وإيليا لمدة طويلة. جرة الدقيق لم تفرغ، وقارورة الزيت لم تنقص، تماما كما قال الرب على لسان إيليا) (الملوك الأول:17/1-16)

فهل تعتبرون إليا أيضا إلها.. أو تعتبرونه أقنوما من إله؟

سكت بولس، فقال عبد الحكيم: ليس إيليا وحده من فعل هذا.. لقد ورد في الكتاب المقدس أن اليشع ـ أيضا ـ فعل هذا.

فتح الكتاب المقدس، وراح يقرأ من (سفر الملوك الثاني: 4 / 1 - 7): (واستغاثت إحدى نساء بني الأنبياء بأليشع قائلة: (عبدك زوجي توفي، وأنت تعلم أنه كان يتقي الرب، وقد أقبل مدينه المرابي ليسترق ولدي (لقاء ديونه)). فسألها أليشع: ماذا يمكن أن أصنع لك؟ أخبريني ماذا عندك في البيت؟) فقالت: (لا أملك في البيت شيئا سوى قليل من الزيت). فقال لها أليشع: (اذهبي استعيري أواني فارغة من عند جميع جيرانك وأكثري منها. ثم ادخلي بيتك وأغلقي الباب على نفسك وعلى بنيك، وصبي زيتا في جميع هذه الأواني، وانقلي ما يمتليء منها إلى جانب). فمضت من عنده وأغلقت الباب على نفسها وعلى أبنائها، الذين راحوا يحضرون لها الأواني الفارغة فتصب فيها. وحين امتلأت جميع الأواني قالت لابنها: (هات إناء آخر). فأجابها: (لم يبق هناك إناء). عندئذ توقف تدفق الزيت. فجاءت إلى رجل الله وأخبرته. فقال لها: (اذهبي وبيعي الزيت وأوفي دينك، وعيشي أنت وأبناؤك بما يتبقى من مال).

فأنتم ترون أن أليشع صنع معجزة تكثير الزيت، بل إن أليشع لم يرفع نظره نحو السماء كما فعل المسيح، ولا بارك ولا شكر الله كما فعل المسيح، ومع ذلك لم يقل أحد أن في أليشع طبيعة لاهوتية مع أن هذه الأعجوبة أبلغ مما وقع للمسيح.

هنا نطق أجير بولس، كعادته في إفساد خطط بولس من غير أن يقصد: نعم.. لقد روي عن هذين النبيين هذه البركات.. ولكن نبيكم الذي تزعمون كونه نبيا خلت سيرته من أي بركة.. حتى أنه كما تروون كان يعصب الحجر على بطنه من الجوع، وكانت الأهلة تمر وتمر، ولا يوقد في بيته نار.

نظر عبد القادر إليه بابتسامة، وقال: لكأني بك تريد أن تستفزني لأحدثك عن بركات النبوة المرتبطة بهذا الجانب.

قال الأجير: وهل هناك شيء مرتبط بهذا الجانب حتى تحدثني عنه؟

ود بولس في تلك اللحظة لو يلقم أجيره حجرا يسكته به، ولكن وقاره وسمته منعه من ذلك، كما كان يمنعه كل مرة.

فقال عبد القادر: نعم.. لقد روي ذلك مرات كثيرة.. وسأذكر لك بعض ذلك ما دمت مصرا على أن أذكره.

قال بعض الجمع: كلنا نحب أن نسمع ذلك.. لقد سمعنا بركات المسيح.. وبركات الأنبياء، فحدثنا عن بركات محمد.

 عبد القادر: ما دمتم قد طلبتم ذلك، فسأحدثكم عن خمس نواح من البركات ارتبطت به صلى الله عليه وآله وسلم.

أما الأولى، فبركاته صلى الله عليه وآله وسلم على كل من صاحبه، أو لقيه، أو عاش معه.

وأما الثانية، فبركاته صلى الله عليه وآله وسلم على كل من لمسه.

وأما الثالثة، فبركاته صلى الله عليه وآله وسلم في بعض الولائم التي أقامها هو أو أقامها أصحابه.

وأما الرابعة، فبركاته صلى الله عليه وآله وسلم على بعض الأطعمة.

وأما الخامسة، فبركاته صلى الله عليه وآله وسلم في المياه.

وكل هذا بعض بركاته صلى الله عليه وآله وسلم المرتبطة بما نحن فيه.. أما بركاته المرتبطة بالجوانب الأخرى، فلا عد لها ولا حصر.

الصحبة المباركة

قال رجل من الجمع: فابدأ حديثك البركات التي تنزلت على من صاحب محمد، أو لقيه، أو عاش معه.

بركاته على أهل بيته:

 عبد القادر: لقد كان أعظم من تشرف ببركاته صلى الله عليه وآله وسلم من عاش صلى الله عليه وآله وسلم في كفالتهم، أو عاشوا في كفالته، وسأحدثكم عن بعض ما روي من ذلك..

أول ما ظهر من بركاته صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الباب ـ على حسب ما ذكرت الروايات الكثيرة التي لا تقل عن الروايات التي نقل بها الكتاب المقدس ـ هو ما ذكرته مرضعته حليمة السعدية.

والتي نقل عنها الرواة ذكرها لخبرها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبركاته عليها وعلى أهلها، فقد ذكرت أنها خرجت من بلدها مع زوجها، وابن لها صغير ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر، تلتمس الرضعاء قالت: وذلك في سنة شهباء، لم تبق لنا شيئا.

فخرجت على أتان لي قمراء معنا شارف لنا، والله ما تبض بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا، من بكائه من الجوع ما في ثديي ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغديه، ولكنا كنا نرجو الغيث والفرج.

فخرجت على أتاني تلك، فلقد أدمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفا وعجفا، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قيل لها: إنه يتيم، وذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيم وما عسى أن تصنع أمه وجده فكنا نكرهه لذلك.

فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعا غيري، فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم، فلآخذنه، قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة.

قالت فذهبت إليه فأخذته، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره.

وهنا بدأ حليمة تستشعر بركات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. قالت: فلما أخذته رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي وشرب معه أخوه حتى روي، ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك.. وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا إنها لحافل فحلب منها ما شرب وشربت معه حتى انتهينا ريا وشبعا، فبتنا بخير ليلة، قالت يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة، قالت: فقلت: والله إني لأرجو ذلك.

قالت: ثم خرجنا وركبت أتاني، وحملته عليها معي، فوالله لقطعت بالركب ما يقدر عليها أبي ذؤيب، حتى قال الذين معي: ويحك أربعي علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن: بلى والله إنها لهي هي، فيقلن: والله إن لها لشأنا.

قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح علي حين قدمنا به معنا شباعا لبنا، فنحلب ونشرب وما يحلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها في ضرع حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن وتروح غنمي شباعا لبنا.

فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته، وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا.

قالت: فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شيء على مكثه فينا، لما كنا نرى من بركته، فكلمنا أمه، وقلت لها: لو تركت بني عندي حتى يغلظ، فإني أخشى عليه وبأ مكة، قالت فلم نزل بها حتى ردته معنا([47]).

قال رجل من الجمع: لقد بقي محمد مدة في كفالة عمه أبي طالب، فهل ظهرت بعض بركاته عليه.

 عبد القادر: أجل.. لقد رويت في ذلك روايات كثيرة.

فعن ابن عباس وغيره قالوا: لما توفي عبد المطلب كفل أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكان يكون معه، وكان يحبه حبا شديدا لا يحبه ولده، وكان لا ينام إلا إلى جنبه، وصب به صبابة لم يصب مثلها قط، وكان يخصه بالطعام، وكان عيال أبي طالب إذا أكلوا جميعا أو فرادى لم يشبعوا، وإذا أكل معهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شبعوا.

وكان أبو طالب إذا أراد أن يغديهم أو يعشيهم، يقول: كما أنتم حتى يحضر ابني،
فيأتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيأكل معهم، فيفضلون من طعامهم، وإن لم يكن معهم لم يشبعهم، وإن كان لبنا شرب أولهم، ثم يتناول العيال القعب، فيشربون منه، فيروون عن آخرهم من القعب الواحد، وإن كان أحدهم ليشرب قعبا وحده، فيقول أبو طالب: إنك لمبارك.

وكان الصبيان يصبحون رمصا شعثا، ويصبح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دهينا كحيلا([48]).

وفي حديث آخر عن ابن عباس قال: كان أبو طالب يقرب للصبيان تصبيحهم، فيضعون أيديهم، فينتهبون، ويكف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده، فلما رأى ذلك أبو طالب عزل له طعامه.

وقد ذكرت حاضنته أم أيمن سيرته في طعامه، فقالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شكا جوعا ولا عطشا لا في كبره ولا في صغره، وكان يغدو إذ أصبح، فيشرب من ماء زمزم شربة، فربما عرضنا عليه الغداء فيقول: أنا شبعان([49]).

ومن بركاته على عمه أبي طالب ما ورد من استسقائه به، فعن جلهمة بن عرفطة، قال: قدمت مكة وقريش في قحط، فقائل منهم يقول: اعتمدوا واللات والعزى، وقائل منهم يقول: اعتمدوا مناة الثالثة الأخرى، فقال شيخ وسيم حسن الوجه جيد الرأي: أنى تؤفكون، وفيكم بقية إبراهيم وسلالة إسماعيل، قالوا: كأنك عنيت أبا طالب؟ قال: إيها.

فقاموا بأجمعهم، وقمت معهم، فدققناه عليه بابه، فخرج إلينا رجل حسن الوجه، عليه إزار قد اتشح به، فثاروا إليه، فقالوا: يا أبا طالب أقحط الوادي، وأجدب العيال، فهلم فاستسق لنا.

فخرج أبو طالب، ومعه غلام كأنه شمس دجنة، تجلت عليه سحابة قتماء، وحوله أغيلمة، فأخذه أبو طالب، فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ بأضبعه الغلام وما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا أغدق واغدودق وانفجر له الوادي وأخصب النادي والبادي.

وفي ذلك يقول أبو طالب:

وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل

يلوذ به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل

ومن البركات المرتبطة بصحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمه أبي طالب ما حدث به عمرو بن سعيد من أن أبا طالب قال: كنت بذي المجاز مع ابن أخي ـ يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ فأدركني العطش، فشكوت إليه، فقلت: يا ابن أخي قد عطشت.

وما قلت له ذلك، وأنا أرى عنده شيئا إلا الجزع قال: فثنى وركه، ثم قال: يا عم عطشت؟ قلت: نعم.

فأهوى بعقبه إلى الأرض، فإذا أنا بالماء، فقال: اشرب، فشربت([50]).

سكت عبد القادر قليلا، ثم قال: ومن بركاته صلى الله عليه وآله وسلم على أهل بيته، ما روي في الحديث عن جابر قال: قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أياما لم يطعم طعاما حتى شق ذلك عليه فطاف في منازل أزواجه فلم يصب عند واحدة منهن شيئا، فأتى فاطمة، فقال: (يا بنية، هل عندك شئ آكله، فإني جائع) فقالت: لا والله.

فلما خرج من عندها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم، فأخذته منها، فوضعته في جفنة لها وغطت عليها، وقالت: والله، لاوثرن بهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على نفسي ومن عندي، فكانوا جميعا محتاجين إلى شبعة طعام، فبعثت حسنا أو حسينا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرجع إليها فقالت له: قد أتى الله بشئ فخبأته لك، قال: (هلمي يا بنية)

فشكفت عن الجفنة، فإذا هي مملؤة خبزا ولحما، فلما نظرت إليها بهتت وعرفت أنها بركة من الله عز وجل، فحمدت الله عز وجل وصلت على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وقدمته إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما رآه حمد الله عز وجل، وقال: (من أين لك هذا يا بنية؟) قالت: يا أبت، هذا من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، فقال: (الحمد لله الذي جعلك شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل، فإنها كانت إذا رزقها الله عز وجل شيئا فسئلت عنه قالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب،) فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى علي، ثم أكل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة وحسن وحسين وجميع أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته حتى شبعوا وبقيت الجفنة كما هي فأوسعت بقيتها على جميع جيرانها، وجعل الله عز وجل فيها بركة وخيرا كثيرا ([51]).

ومما يروى في هذا ما حدث به علي قال: نمنا ليلة بغير عشاء فأصبحت فالتمست فأصبت ما أشتري به طعاما ولحما بدرهم، ثم أتيت به فاطمة فخبزت وطبخت، فلما فرغت، قالت: لو أتيت أبي، فدعوته، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: (أعوذ بالله من الجوع ضجيعا)، فقلت: يا رسول الله، عندنا طعام فهلم، فجاءوا والقدر تفور، فقال: (اغرفي لعائشة في صحفة) حتى غرفت لجميع نسائه، ثم قال: (اغرفي لأبيك وزوجك)، فغرفت، فقال: (اغرفي فكلي،)، فغرفت ثم رفعت القدر، وإنها لتفيض فأكلنا منها ما شاء الله عز وجل([52]).

بركاته على أصحابه:

 عبد القادر: بالإضافة إلى أهل بيته، فقد نال الكثير من بركاته ـ المرتبطة بهذا الباب ـ كل من لقيه صلى الله عليه وآله وسلم أو صاحبه من النساء والرجال.

وسأحدثكم عن بعض ما وردت به الأسانيد من ذلك:

فممن نالتهم بركات النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الجانب جابر بن عبد الله، فقد حدث عن بعض بركاته صلى الله عليه وآله وسلم عليه، فذكر أن أباه توفي، وترك عليه ثلاثين وسقا([53]) لرجل من اليهود، فاستنظره جابر([54])، فأبى أن ينظره، فكلم جابر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليشفع إليه، فجاءه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكلم اليهودي ليأخذ تمر نخله بالذي له، فأبى، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فمشى فيها، ثم قال: يا جابر، جد له([55])، فأوفه الذي له فجد بعدما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأوفاه ثلاثين وسقا، وفضلت له سبعة عشر وسقا([56]).

وقد ذكر هذا الصحابي بركة أخرى حصلت لجمله ببركة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد ذكر أنه كان يسير على جمل له قد أعيا فأراد أن يسيبه([57])، فقال: فلحقني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فضربه ودعا له، فسار سيرا لم يسر مثله، ثم قال: (بعنيه بأوقية)، قلت: لا قال: (بعنيه بأوقيتين) فبعته، واشترطت حملانه([58]) إلى أهلي، فلما قدمنا أتيته بالجمل، فنقدني ثمنه، ثم انصرفت، فأرسل على أثري، وقال: (أترى أني ماكستك([59]) لآخذ جملك؟ خذ جملك ودراهمك وهما لك)([60])

وقريب من هذا الحديث ما حدث به أنس بن مالك، قال: فزع الناس، فركب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرسا لأبي طلحة بطيئا، ثم خرج يركض وحده، فركب الناس يركضون خلفه، فقال: (لن تراعوا إنه لبحر)، قال: فوالله ما سبق بعد ذلك اليوم([61]).

ومن تلك البركات ما حصل لخباب بن الأرت فعن ابنة خباب بن الارث قالت: خرج خباب في سرية، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتعاهدنا حتى كان يحلب عنزا لنا، فكان يحلبها في جفنة لنا فتمتلئ فلما قدم خباب حلبها، فعاد حلابها كما كان، فقالت أمي: أفسدت علينا شاتنا، قال: وما ذاك؟ قالت: إن كانت لتحلب مل ء هذه الجفنة، قال: ومن كان يحلبها؟ قالت: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: وقد عدلتيني به؟ هو والله أعظم بركة ([62]).

ومن تلك البركات ما حصل لنوفل بن الحارث فقد روي عنه أنه استعان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في التزويج فأنكحه امرأة فالتمس شيئا فلم يجده فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا رافع وأبا أيوب بدرعه فرهناه عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير، فدفعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليه، قال: فطعمنا منه نصف سنة ثم كلناه فوجدناه، كما أدخلناه، قال نوفل: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (لو لم تكله لأكلت منه ما عشت)([63])

ومن تلك البركات ما حصل لحمزة الأسلمي فقد روي عنه أنه قال: عملت طعاما للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم ذهبت به، فتحرك به النحي فأهريق ما فيه، فقلت: على يدي أهريق طعام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ادنه) فقلت: يا رسول الله لا أستطيع، فرجعت مكاني، فإذا النحي يقول قب قب، فقلت: مه قد أهريق فضلة فضلت فيه، فاجتذبته، فإذا هو قد ملي إلى يديه، فأوكيته، ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت له ذلك، فقال: (أما إنك لو تركته لملئ إلى فيه، ثم أوكى)([64])

وفي رواية: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لو تركته لسال واديا سمنا)([65])

ومن تلك البركات ما حصل لمسعود بن خالد فقد روي عنه أنه قال: بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شاة، ثم ذهبت في حاجة، فرد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شطرها، فرجعت، فإذا لحم، فقلت: يا أم خناس ما هذا اللحم؟ قالت: رد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الشاة التي بعثت بها إليه شطرها، قلت: مالك لا تطعمينه عيالك، قالت: هذا سؤرهم، وكلهم قد أطعمت، وكانوا يذبحون الشاتين والثلاثة فلا تجزئهم([66]).

ومن تلك البركات ما حصل لخالد بن عبد العزى فقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أجزره شاة، وكان عيال خالد كثيرا يذبح الشاة، فلا يبد عياله عظما عظما، وإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكل منها، ثم قال: (أرني دلوك يا أبا حباش)، فوضع فيه فضلة الشاة، ثم قال: (اللهم بارك لأبي حباش)، فانقلب به، فنثره لهم، وقال: (تواسوا فيه)، فأكل منه عياله وأفضلوا([67]).

ومن تلك البركات ما حصل لعبد الله بن طهفة فقد روي عنه أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا اجتمع الضيفان قال: (لينقلب كل رجل مع جليسه)، فكنت أنا ممن انقلب مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (يا عائشة، هل من شئ) قالت: حويسة كنت أعددتها لافطارك، فأتي بها في قعبة فأكل منها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئا ثم قدمها إلينا ثم قال: (بسم الله كلوا) فأكلنا منها حتى والله ما ننظر إليها، ثم قال: (هل من شراب؟) فقالت لبينة: أعددتها لافطارك، فجاءت بها فشرب منها شيئا، ثم قال: (باسم الله اشربوا)، فشربنا حتى والله ما ننظر إليها([68]).

ومن تلك البركات ما حصل لرجل أنه أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستطعمه، فأطعمه شطر وسق شعير فما زال يأكل منه هو وامرأته ومن ضيفهما حتى كالوه فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لو لم تكله لاكلتم منه ولقام لكم)([69])

ومن تلك البركات ما حصل لأم سليم فقد حدثت عن ذلك، فقالت: كانت لنا شاة فجمعت من سمنها في عكة فملأتها العكة، وبعثت بها مع الجارية فقالت: أبلغي هذه العكة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله هذه عكة سمن بعثت بها إليك أم سليم، قال: (فرغوا لها عكتها) ففرغت العكة فدفعت إليها فانطلقت وجاءت أم سليم، فرأت العكة ممتلئة تقطر فقالت أم سليم: أليس قد أمرتك أن تنطلقي بها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: قد فعلت فإن لم تصدقيني فانطلقي فسلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فانطلقت أم سليم، فقالت: يا رسول الله إني بعثت إليك بعكة سمن قال: (قد فعلت جاءت بها)، قالت: والذي بعثك بالهدى ودين الحق إنها لممتلئة تقطر سمنا فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا أم سليم أتعجبين إن كان الله أطعمك كما أطعمت نبيه كلي وأطعمي)، فجاءت إلى البيت، ففتت لنا كذا وكذا وتركت فيها ما ائتدمنا شهرا أو شهرين([70]).

اللمسات المباركة

قال رجل من الجمع: لقد حدثتنا عن الصحبة المباركة، فحدثنا عن اللمسات المباركة.

 عبد القادر: لقد كانت البركات تتبع كل ما مسه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما كانت تتبع كل من لقيه، وسأحدثكم عن بعض أحاديث تلك البركات:

فمن الذين أصابتهم لمساته صلى الله عليه وآله وسلم المباركة ما حدث به أبو الطفيل من أن رجلا ولد له غلام على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتى به، فدعا له بالبركة، وأخذ بجبهته، فنبت شعره في جبهته كأنها هلبة فرس، فشب الغلام، فلما كان زمن الخوارج أجابهم فأخذه أبوه فأوثقه وحبسه، فسقطت تلك الشعرة، فشق عليه سقوطها، فقيل له: هذا مما هممت به، ألم تر بركة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقعت، فلم نزل به حتى تاب، فرد الله تعالى عليه الشعرة بعد في وجهه، قال أبو الفضل: فرأيتها بعد ما نبتت قد سقطت، ثم رأيتها قد نبتت([71]).

ومن ذلك ما حدث به أبو عطية البكري، قال: انطلق بي أهلي الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا شاب، فمسح رأسي، قال الراوي: فرأيت أبا عطية أسود الرأس واللحية، وكانت قد أتت عليه مائة سنة([72]).

ومن ذلك ما حدث به عبد الله بن هلال الأنصاري، قال: ذهب بي أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله ادع الله له فما أنسى وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده على رأسي حتى وجدت بردها فدعا لي، وبارك علي، فرأيته أبيض الرأس واللحية ما يستطيع أن يفرق رأسه من الكبر، وكان يصوم النهار ويقوم الليل([73]).

ومن ذلك ما حدث به عمرو بن ثعلبة الجهني قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالسالة، فأسلمت، فمسح رأسي، قال الراوي: فأتت على عمرو مائة سنة، وما شاب موضع يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من رأسه([74]).

وقد حدث الرواة ([75]) أن وسط رأس السائب كان أسود، وبقيته أبيض، وحدثوا عن عطاء مولى السائب بن يزيد قال: رأيت السائب لحيته بيضاء، ورأسه أسود، فقلت: يا مولاي، ما لرأسك لا تبيض؟ فقال: لا تبيض رأسي أبدا!، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مضى وأنا غلام ألعب مع الغلمان، فسلم عليهم وأنا فيهم، فرددت عليه السلام، من بين الغلمان، فدعاني، فقال: (ما اسمك؟) فقلت: السائب بن يزيد بن أخت النمر فوضع يده على رأسي، وقال: (بارك الله فيك)، فلا يبيض موضع يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ومن ذلك ما حدث به محمد بن أنس الظفري قال: قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وأنا ابن اسبوعين، فأتي بي فمسح رأسي، ودعا لي بالبركة وحج حجة الوداع، وأنا ابن عشرين سنة.

قال يونس: ولقد عمر أبي حتى شاب كل شئ منه، وما شاب موضع يد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من رأسه، ولا من لحيته([76]).

ومن ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسح رأس عبادة بن سعد بن عثمان الزرقي، ودعا له، فمات وهو ابن ثمانين سنة، وما شاب.

ومن ذلك ما حدث به بشير بن عقربة الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسح رأسه، فكان أثر يده من رأسه أسود، وسائره أبيض([77]).

ومن ذلك ما حدث به أبو زيد الانصاري قال: مسح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده على رأسي وقال: (اللهم جمله وأدم جماله) قال: فبلغ بضعا ومائة سنة وما في لحيته بياض، ولقد كان منبسط الوجه، ولم ينقبض وجهه حتى مات([78]).

ومن ذلك ما حدث به أنس أن يهوديا أخذ من لحية النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (اللهم جمله)، فاسودت لحيته بعدما كانت بيضاء([79]).

ومن ذلك ما حدث به قتادة، قال: حلب يهودي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ناقة، فقال: (اللهم جمله)، فاسود شعره، حتى صار أشد سوادا من كذا وكذا، قال معمر: وسمعت قتادة يذكر أنه عاش تسعين سنة فلم يشب([80]).

ومن ذلك ما حدث به حنظلة بن جذيم بن حنيفة التميمي أن أباه قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله، ان لي بنين ذوي لحى، وإن هذا أصغرهم، فادع الله له، فمسح رأسه، وقال: (بارك الله فيك) أو قال: (بورك فيك)، قال الذيال: فلقد رأيت حنظلة يؤتى بالانسان الوارم وجهه فيتفل على يديه ويقول: باسم الله، ويضع يده على رأسه موضع كف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم يمسح موضع الورم، فيذهب الورم([81]).

ومن ذلك ما حدث به بشر بن معاوية بن ثور أنه وفد من بني البكاء على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة نفر، معاوية بن ثور، وابنه بشر، والفجيع بن عبد الله، ومعهم عبد عمرو البكائي، فقال معاوية: يا رسول الله، اني أتبرك بمسك، فامسح وجه ابني بشر، فمسح وجهه، ودعا له، فكانت في وجهه مسحة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كالغرة، وكان لا يمسح شيئا الا برأ وأعطاه أعنزا عفرا، قال الجعد: فالسنة ربما أصابت بني البكاء ولا تصيبهم([82]).

وقد قال يذكر ذلك محمد بن بشر بن معاوية، ويفخر به:

وأبي الذي مسح الرسول برأسه ودعا له بالخير والبركات

أعطاه أحمد إذ أتاه أعنزا عفرا  نواجل ليس باللجبات

يملأن وفد الحي كل عشية  ويعود ذاك الملء بالغدوات

بورك في منح وبورك مانحا  وعليه مني ما حييت صلاتي

ومن ذلك ما حدث به أبو وجزة السعدي قال: قدم وفد محارب سنة عشر في حجة الوداع، وهم عشرة نفر منهم سواء بن الحارث، وابنه خزيمة، فمسح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجه خزيمة، فصارت له غرة بيضاء([83]).

ومن ذلك ما حدث به خزيمة بن عاصم البكائي أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمسح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجهه فما زال جديدا حتى مات([84]).

ومن ذلك ما حدث به أبو العلاء بن عمير قال: كنت عند قتادة بن ملحان حيث حضر، فمر رجل من أقصى الدار، فأبصرته في وجه قتادة، قال: وكنت إذا رأيته كأن على وجهه الدهان، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمسح وجهه([85]).

ومن ذلك ما حدث به عائذ بن عمرو قال: أصابتني رمية - وأنا أقاتل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم خيبر، فلما سالت الدماء على وجهي وجبيني وصدري، فوضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده، فسلت الدم عن وجهي وصدري الى ثندوتي ثم دعا لي.

قال حشرج: فكان عائذ يخبرنا بذلك حياته، فلما هلك وغسلناه نظرنا الى ما كان يصف لنا من أثر يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي مسها ما كان يقول لنا من صدره، فإذا غرة سائلة كغرة الفرس([86]).

ومن ذلك ما حدث به أبو العلاء قال: عدت قتادة بن ملحان في مرضه، فمر رجل في مؤخرة الدار، فرأيته في وجه قتادة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسح وجهه، وكنت قلما رأيته الا رأيت كأن على وجهه الدهان([87]).

ومن ذلك ما حدث به المدائني عن خاله أن أسيد بن أبي اياس مسح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجهه وألقى يده على صدره فكان أسيد يدخل البيت المظلم فيضئ.

ومن ذلك ما حدث به وائل بن حجر قال: كنت أصافح النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو يمس جلدي جلدة فأعرف في يدي بعد ثالثة أصيب من ريح المسك ([88]).

ومن ذلك ما ورد من آثار يده الشريفة في إدرار اللبن في المواشي التي يحلبها، وقد رويت في ذلك روايات كثيرة:

منها أنه لما هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى المدينة، مر في هجرته ببعض الناس، وكان منهم عبد كان يرعى غنما، فاستسقاه اللبن، فقال: ما عندي شاة تحلب غير أن ههنا عناقا([89]) حملت أول الشتاء، وقد أخرجت وما بقي لها لبن، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ادع بها)، فجاء بها الرجل، فمسح النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضرعها، ودعا حتى أنزلت ([90]).

ومن ذلك بركة يده صلى الله عليه وآله وسلم في شاة أبي قرصافة، فعنه قال: كان بدء اسلامي أني كنت يتيما بين أمي وخالتي، وكان أكثر ميلي لخالتي، وكنت أرعى شويهات لي، وكانت خالتي كثيرا ما تقول لي: يا بني، لا تمر على هذا الرجل، فيغويك ويضلك، فكنت أخرج حتى آتي المرعى، وأترك شويهاتي وآتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا أزال أسمع منه ثم أروح غنمي ضمرا يابسات الضروع، فقالت لي خالتي: ما لغنمك يابسات الضروع؟ قلت: لا أدري، ثم عدت إليه اليوم الثاني، ففعل كما فعل اليوم الاول، ثم إني رحت بغنمي كما رحت في اليوم الاول، ثم عدت إليه في اليوم الثالث، فلم أزل عنده أسمع منه حتى أسلمت وبايعته وصافحته، وشكوت إليه أمر خالتي، وأمر غنمي، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (جئني بالشياه)، فجئته بهن، فمسح ظهورهن وضروعهن ودعا فيهن بالبركة، فامتلات لحما ولبنا، فلما دخلت على خالتي بهن قالت: يا بني هكذا فارع، قلت: يا خالة، ما رعيت الا حيث أرعى كل يوم، ولكن أخبرك بقصتي، وأخبرتها بالقصة، وإتياني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخبرتها بسيرته وبكلامه، فقالت أمي وخالتي: اذهب بنا إليه، فذهبت أنا وأمي وخالتي فأسلمنا، وبايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصافحهن([91]).

ومثلما رويت الآثار في بركات يده صلى الله عليه وآله وسلم، رويت الآثار في بركات ريقه الشريف:

ومن ذلك ما حدث به أبو عقيل الديلي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فآمنت به، وصدقت وسقاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - شربة سويق، شرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أولها، وشربت آخرها، فما زلت أجد بلتها على فؤادي إذا ظمئت، وبردها إذا أضحيت([92]).

وفي حديث آخر عن حنش بن عقيل، قال: دعاني النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى الاسلام، فأسلمت، فسقاني فضلة سويق، فما زلت أجد ريها إذا عطشت، وشبعتها إذا جعت([93]).

ومما يروى في هذا ما حدث به جمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ فيهم أبو أسيد وأبو حميد وأبو سهل بن سعد ـ فقالوا: أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بئر بضاعة، فتوضأ في الدلو، ورده في البئر، ومج مرة أخرى في الدلو، وبصق فيها وشرب من مائها، وكان إذا مرض المريض في عهده يقول: (اغسلوه من ماء بضاعة)، فيغسل، فكأنما حل من عقال([94]).

ومن ذلك ما يروى عن حنظلة بن قيس أن عبد الله بن عامر بن كريز أتي به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتفل عليه وعوده، فجعل يتسرع ريق النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (إنه ليشفى)، وكان لا يعالج أرضا الا ظهر له فيها الماء([95]).

ومن ذلك ما روي عن ثابت بن قيس بن شماس أنه فارق جميلة بنت عبد الله بن أبي، وهي حامل بمحمد، فلما ولدته حلفت لا تلبنه من لبنها، فدعا به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبزق في فيه، وحنكه بتمرة عجوة، وسماه محمدا، وقال: اختلف به، فان الله رازقه، فأتيته في اليوم الأول والثاني والثالث، فإذا أنا بامرأة من العرب، تسأل عن ثابت بن قيس بن شماس، فقلت: ما تريدين منه؟ فقالت: رأيت أني أرضع ابنا له، يقال له: محمد، قال: فأنا ثابت، وهذا ابني محمد، قال: وإذا درعها ينعصر من لبنها([96]).

ومن ذلك ما روي عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصق على أثر سهم في وجهه في يوم ذي قرد، قال: فما ضرب علي قط ولا قاح([97]).

ومن ذلك ما روي عن عكرمة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تفل على رجل زيد بن معاذ حين أصابها السيف ـ أي العلب ـ حين قتل ابن الاشرف فبرأت([98]).

ومن ذلك ما حدث به جرهد عن نفسه أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين يديه طعام، فأدنى (جرهد) يده الشمال وكانت يده اليمنى مصابة، فنفث عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فما شكا حتى مات([99]).

ومن ذلك ما روي عن وائل بن حجر قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدلوا من ماء زمزم، فشرب، ثم توضأ، ثم مجه في الدلو مسكا، أو أطيب من المسك، واستنثر خارجا من الدلو([100]).

***

 قال رجل من الجمع: فكيف لم يعرف الناس قيمة لمساته المباركة وريقه المبارك مع كثرة هذه الروايات؟

 عبد القادر: أما أعداؤه، فقد طمس الله على قلوبهم بحسدهم وكبرهم، فمنعوا من بركات الدنيا، كما منعوا قبلها من بركات الآخرة.

وأما أصحابه المنتجبون، فقد كانوا أكثر الناس التماسا لبركاته وتعظيما لها، وسأذكر لك بعض الروايات التي تبين ذلك، والتي تدل على أنه لولا يقينهم ببركاته صلى الله عليه وآله وسلم ما فعلوا ذلك:

فمن ذلك ما روي عن أبي جحيفة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالهاجرة، فأتي بوضوء فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به([101]).

ومن ذلك ما روي عن مروان والمسور بن مخرمة ـ يصدق كل واحد منهما صاحبه ـ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ([102]).

ومن ذلك ما روي عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا صلى الغداة جاء خدم أهل المدينة بآنيتهم فيها الماء، فلم يؤت باناء الا غمس يده فيه، فربما في الغداة جاءوا الباردة، فيغمس يده فيها([103]).

ومن ذلك ما روي أن أبا محذورة كانت له قصة في مقدم رأسه يرسلها، فتبلغ الأرض إذا جلس فقيل له: ألا تحلقها؟ فقال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسح عليها بيده، فلم أكن لأحلقها حتى أموت، فما حلقها حتى مات([104]).

ومن ذلك ما روي عن أبي سعيد الخدري قال: كنت يوما عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتى بتمر يفرقه علينا، وكنا ندنيه منه ليمسه لما نرجو من بركة يده، فإذا رآه قد اجتمع فرقه بيننا([105]).

ومن ذلك ما روي عن السائب بن يزيد قال: ذهبت بي خالتي الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله، ان ابن أختي وقع فمسح رأسي، ودعا لي بالبركة ثم توضأ فشربت من وضوئه..الحديث([106]).

ومن ذلك ما روي عن الزهري، قال: حدثني من لا أتهم من الانصار أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا توضأ أو بصق ابتدروا بصاقه، فمسحوا به وجوههم وجلودهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لم تفعلون هذا؟) فقالوا: نلتمس البركة([107]).

ومن ذلك ما روي عن أبي العشراء عن أبيه قال: لما مرض أبي أتاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتفل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قرنه الى قدمه ثلاث مرات بريقه الى جسده([108]).

ومن ذلك ما روي عن ابن مسعود قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كحل علي ببزاقه ([109]).

ومن ذلك ما روي أن زينب بنت أبي سلمة دخلت وهي صغيرة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مغتسله فنضح في وجهها الماء وقال: (ارجعي)، قال عطاف: قالت أمي: ورأيت زينب وهي عجوز كبيرة ما نقص من وجهها شئ([110]).

ومن ذلك ما روي عن أبي سعيد الخدري أن أباه مالك بن سنان لما أصيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وجهه يوم أحد مص دم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وازدرده فقال له: (أتشرب الدم؟) قال: أشرب دم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من خالط دمي دمه لا يضره الله)([111])

ومن ذلك ما حدث به سفينة قال: احتجم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: (وغيب عني الدم)، فذهبت فشربته، ثم جئته فقال: (ما صنعت؟)، قلت: غيبته، قال: (أشربته؟) قلت: نعم([112]).

وفي حديث آخر عن سفينة، قال: حجم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حجاما فأمر أن يوارى الدم من الطير والدواب، فذهبت فشربته، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت له ذلك فضحك ولم يقل لي شيئا([113]).

الولائم المباركة

قال رجل من الجمع: لقد حدثتنا عن الصحبة المباركة، وعن اللمسات المباركة، فحدثنا عن بركات محمد في الولائم التي أقامها هو، أو أقامها أصحابه، فقد سمعنا من هذا القس الوليمة العظيمة التي أقامها المسيح ببعض الخبز، وبعض السمكات.

 عبد القادر: محمد والمسيح كلاهما رسولان لله، وكلاهما مباركان، ونحن لا نقيم هنا مسابقة بينهما، ولكنا نريد أن نثبت نبوة كليهما.. فمثل هذه البركات العظيمة لا يجريها الله إلا على أيدي أنبيائه، أو من هم سائرون على أقدام أنبيائه.

وبما أنك رغبت إلي في أن أحدثك في هذا، فسأذكر لك بعض ما وردت به أسانيدنا الثابتة التي تفيد بمجموعها تواتر ذلك عن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم:

فمن ذلك ما ما حصل يوم الخندق، حيث أطعم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جيش المسلمين الذي كان يحفر يوم الخندق من طعام فئة قليلة من الناس.

وقد حدث صاحب الوليمة جابر بن عبد الله عن ذلك، فقال: كنا يوم الخندق نحفر الخندق، فعرضت فيه كذانة، وهي الجبل، فقلنا: يا رسول الله، إن كذانة قد عرضت فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (رشوا عليها)، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأتاها، وبطنه معصوب بحجر من الجوع، فأخذ المعول أو المسحاة، فسمى ثلاثا ثم ضرب، فعادت كثيبا أهيل، فقلت له: ائذن لي يا رسول الله إلى المنزل، ففعل، فقلت للمرأة: هل عندك من شيء؟ فقالت: عندي صاع([114]) من شعير وعناق([115])، فطحنت الشعير وعجنته، وذكت العناق وسلختها، وخليت من المرأة، وبين ذلك.

ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجلست عنده ساعة ثم قلت: ائذن لي يا رسول الله، ففعل، فأتيت المرأة فإذا العجين واللحم قد أمكنا، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: إن عندي طعيما([116]) لنا، فقم يا رسول الله أنت ورجلان من أصحابك، فقال: (وكم هو؟) فقلت: صاع من شعير، وعناق، فقال للمسلمين جميعا: (قوموا إلى جابر)، فقاموا، فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله، فقلت: جاء بالخلق على صاع شعير وعناق، فدخلت على امرأتي أقول: افتضحت، جاءك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجند أجمعين، فقالت: هل كان سألك كم طعامك؟ فقلت: نعم، فقالت: الله ورسوله أعلم، قد أخبرناه ما عندنا، فكشفت عني غما شديدا.

فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: خذي ودعيني من اللحم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يثرد، ويغرف اللحم، ثم يخمر هذا، ويخمر هذا، فما زال يقرب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين، ويعود التنور([117])والقدر أملأ ما كانا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (كلي وأهدي)

قال جابر: فلم نزل نأكل ونهدي يومنا أجمع([118]).

وفي رواية ذكر العدد الذي أكل من هذه الوليمة، فقال: (وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبرد، ويغرف اللحم، ويخمر هذا ويخمر هذا، فما زال يقرب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين، ويعود التنور والقدر أملأ ما كانا، فكلما فرغ قوم جاء قوم حتى صدر أهل الخندق، وهم ألف حتى تركوه، وانحرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليختبز كما هو، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (كلي وأهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة) فلم نزل نأكل ونهدي يومنا.

وفي حديث آخر عن جابر بن عبد الله قال: صنعت أمي طعاما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالت: ادعه، فجئت فساررته، فقال لاصحابه: (قوموا)، فقام معه خمسون رجلا، فقال: (ادخلوا عشرة عشرة) فأكلوا حتى شبعوا وفضل نحو ما كان([119]).

ومن ذلك وليمة حصلت في نفس الغزوة، ذكرتها ابنة بشير بن سعد، فقالت: دعتني أمي فأعطتني جفنة من تمر في ثوبي، ثم قالت: يا بنية، اذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله بغدائهما، قالت: فأخذته ثم انطلقت بها، فمررت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (تعالي ما معك؟) فقلت: يا رسول الله هذا تمر بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد وخالي عبد الله بن رواحة يتغديانه فقال: (هاتيه)، فصببته في كفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فما ملاها ثم أمر بثوب فبسط ثم دعا بالتمر فصبه فوق الثوب ثم قال لانسان عنده: (اخرج في أهل الخندق أن هلموا إلى الغداء، فاجتمع أهل الخندق عليه، فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه، وإنه ليسقط من أطراف الثوب ([120]).

ومن ذلك ما حدث به أنس، فقال: جئت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوجدته جالسا مع أصحابه يحدثهم قد عصب بطنه بعصابة، فقلت لبعض أصحابه: لم عصب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بطنه؟ فقالوا: من الجوع، فذهبت إلى أبي طلحة فأخبرته فدخل على أمي فقال: هل من شئ؟ قالت: نعم عندي كسر من خبز وتمرات، فإن جاءنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحده أشبعناه وإن جاء معه بأحد قل عنهم، فقال لي أبو طلحة: قم قريبا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإذا قام فدعه حتى يتفرق عنه أصحابه ثم اتبعه حتى إذا قام على عتبة بابه، فقل: أبي يدعوك، ففعلت ذلك، فلما قلت: أبي يدعوك، قال لاصحابه: (يا هؤلاء تعالوا) ثم أخذ بيدي فشدها، ثم أقبل بأصحابه حتى إذا دنونا من بيتنا أرسل يدي فدخلت وأنا حزين لكثرة من جاء به، فقلت: يا أبتاه، قد قلت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي قلت لي فدعا أصحابه، وقد جاء بهم، فخرج أبو طلحة، فقال: يا رسول الله، إنما أرسلت أنسا يدعوك وحدك ولم يكن عندي ما يشبع من أرى، فقال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ادخل، فإن الله سيبارك فيما عندك، فدخلت فقال: (اجمعوا ما عندكم ثم قربوه) فقربنا ما كان عندنا من خبز وتمر، فجعلناه على حصير فدعا فيه بالبركة، فقال: (يدخل علي ثمانية) فأدخلت عليه ثمانية، فجعل كفه فوق الطعام، فقال: (كلوا وسموا الله عز وجل) فأكلوا من بين أصابعه حتى شبعوا، ثم أمرني أن أدخل عليه ثمانية فما زال ذلك أمره حتى دخل عليه ثمانون رجلا كلهم يأكل حتى يشبع، ثم دعاني وأمي وأبا طلحة، فقال: (كلوا)، فأكلنا حتى شبعنا، ثم رفع يده، فقال: يا أم سليم، أين هذا من طعامك حين قدمتيه؟ فقالت: بأبي أنت وأمي، لولا أني رأيتهم يأكلون لقلت: ما نقص من طعامنا شئ([121]).

ومن ذلك ما حدث به علي والبراء أن الله تعالى لما أنزل:﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء:214) جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بني عبد المطلب، وهم يومئذ أربعون رجلا يأكلون المسنة، ويشربون العس، فأمر عليا أن يصنع لهم طعاما، وأن يجعل عليه رجل شاة، فصنعها، ثم قربها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأخذ منها بضعة، فأكل منها، ثم تتبع بها جوانب القصعة، ثم قال: (ادنوا باسم الله)، فدنا القوم فأكلوا عشرة عشرة، فأكلوا حتى صدروا ما نرى إلا أثر أصابعهم، والله إن كان الرجل ليأكل مثل ما قدم لجميعهم، ثم قال: (يا علي، اسق القوم) فجاءهم بذلك العس، فشرب منه ثم ناولهم، وقال: (اشربوا باسم الله) فشربوا حتى رووا عن آخرهم، وأيم الله، إن كان الرجل منهم ليشرب مثله فذكر الحديث([122]).

ومن ذلك ما حدث به أبو أيوب الأنصاري قال: صنعت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر طعاما قدر ما يكفيهما، فأتيتهما به، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اذهب فادع ثلاثين من أشراف الانصار) قال: فشق ذلك علي، وقلت: ما عندي شئ أزيده، قال: فكأني تثاقلت، فقال: (اذهب فأدع لي ثلاثين من أشراف الانصار)، فدعوتهم فجاؤوا، فقال: اطعموا، فأكلوا حتى صدروا، ثم شهدوا أنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبايعوه قبل أن يخرجوا.

ثم قال: اذهب فادع لي ستين من أشراف الانصار، قال أبو أيوب: فوالله لأنا بالستين أجود مني بالثلاثين، قال: فدعوتهم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اطعموا فأكلوا حتى صدروا) ثم شهدوا أنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبايعوه قبل أن يخرجوا.

ثم قال: (اذهب فادع لي تسعين من الانصار) فلأنا أجود بالتسعين مني بالثلاثين، قال: فدعوتهم فأكلوا حتى صدروا، ثم شهدوا أنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبايعوه قبل أن يخرجوا فأكل من طعامي ذلك مائة وثمانون رجلا كلهم من الانصار([123]).

ومن ذلك ما حدث به صهيب قال: صنعت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طعاما فأتيته وهو في نفر من أصحابه فقمت حياله، فلما نظر إلي أومأت إليه، فقال: (وهؤلاء) قلت لا مرتين يفعل ذلك أو ثلاثا فقلت: نعم، وهؤلاء وإنما كان شيئا يسيرا صنعته لك فأكلوا وفضل منهم([124]).

ومن ذلك ما ما حدثت به أم عامر أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى في مسجدنا المغرب، فجئت إلى منزلي فجئته بعرق وأرغفة فقلت: بأبي وأمي تعش، فقال لأصحابه: (كلوا بإسم الله)، فأكل هو وأصحابه الذين جاؤوا معه، ومن كان حاضرا من أهل الدار، فو الذي نفسي بيده لرأيت بعض العرق لم يتعرقه وعامة الخبز وإن القوم أربعون رجلا([125]).

ومن ذلك ما حصل في غزوة تبوك، حيث أطعم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جيش المسلمين من طعام فئة قليلة من الناس:

فعن ابن عباس قال: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر الظهران في عمرته بلغ أصحابه أن قريشا تقول: ما يتباعثون من العجف، فقال أصحابه: لو انتحرنا من ظهورنا، فأكلنا من لحمه وحسونا من مرقة لأصبحنا غدا ندخل على القوم وبنا جمامة فقال: (لا تفعلوا، ولكن إجمعوا لي من أزوادكم)، فجمعوا له، وبسطوا الأنطاع، فأكلوا حتى تولوا، وحثا كل واحد منهم في جرابه ([126]).

الأطعمة المباركة

قال رجل من الجمع: إن ما ذكرته من بركات محمد لا يقل عما ذكر هذا القس عن بركات المسيح، فكيف لا تزعمون لنبيكم ما يزعمون للمسيح؟

 عبد القادر: نحن نعلم أن هذه البركات فضل من فضل الله يهبه الله لمن يشاء من عباده، ولذلك نحن لا نجاوز بنبينا قدره العظيم الذي أعطاه الله له، وهو قدر العبودية، فالعبودية أشرف مقام يصل إليه العبد.

ولهذا، فنحن لا نرى فيما حصل لنبينا من بركات إلا فيضا من فيوضات تمام تحققه بذلك المقام العظيم مقام العبودية لله.

قال آخر: إن العجب يأخذ منا كل مأخذ عندما تذكر البركة، فهل أعيان الطعام تزاد، فيتحول القليل كثيرا، أم أن شهوات الناس تسد، فيشبعون من حيث هم جائعون!؟

عبد القادر: لقد ورد في النصوص الكثير ما يؤكد على أن أعيان الطعام نفسها يحصل فيها من الزيادة ما يجعلها أضعاف ما كانت عليه.

وقد روي في ذلك بعض النصوص الدالة على هذا، فعن أنس عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: أهديت لنا شاة، فجعلتها في قدر، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (ما هذا يا أبا رافع؟ فقلت: شاة أهديت لنا، فطبختها في القدر، فقال: (ناولني الذراع) فناولته ثم قال: (ناولني الذراع يا أبا رافع)، فناولته ثم قال: (ناولني الذراع الآخر) فقلت: يا رسول الله، إنما للشاة ذراعان، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أما إنك لو مسكت لناولتني ذراعا ما دعوت به)([127])

وفي حديث آخر أن امرأة جاءت بابن لها فذكر الحديث، وفيه: فأهدت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم شاة مشوية، فقال: (خذ الشاة منها)، ثم قال: (ناولني ذراعها)، فناولته ثم قال: (ناولني ذراعها)، فقلت يا رسول الله إنما هما ذراعان، وقد ناولتك فقال: (والذي نفسي بيده، لو سكت ما زلت تناولني ذراعا، ما قلت لك ناولني ذراعا)([128])

وفي حديث آخر عن أبي عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه طبخ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قدرا فيه لحم، فقال: (ناولني ذراعها) فناوله ثم قال: (ناولني ذراعها) فناوله، ثم قال: ناولني ذراعها)، فقلت: يا رسول الله، كم للشاة من ذراع، فقال: والذي نفسي بيده، لو سكت لاعطتك ذراعا ما دعوت به)([129])

قال رجل من الجمع: كيف ذلك.. إن ذلك لعجيب؟

 عبد القادر: إن الله الخالق لكل شيء لا يعجز عن مثل هذا.. وعدم إدراكنا للكيفية لا ينبغي أن يجرنا لإنكار الإمكانية.

قال رجل آخر: أفتريدنا أن نلغي عقولنا؟

 عبد القادر: إنا في حياتنا نستعمل أشياء كثيرة، ومع ذلك لا نعرف كيفيتها.. إن أكثر الناس يتفرجون على التلفزيون، فيرون العالم جميعا بين أيديهم، ثم هم لا يعرفون عن الكيفية التي يشتغل بها، ولا يكادون يبحثون عنها، مع أنك لو ذكرت هذا لمن سبقنا بقرون قليلة لاعتبره خرافة ومستحيلا.

المياه مباركة

قال رجل من الجمع: لم يبق إلا أن تحدثنا عن بركات محمد في المياه، فحدثنا عنها.

 عبد القادر: لقد وردت النصوص الكثيرة التي تدل على ما حصل من بركاته صلى الله عليه وآله وسلم على المياه سواء كانت آبارا جافة، فتتحول إلى آبار مملوءة ماء، أو مياه مالحة، فتتحول إلى مياه عذبة، أو يحتاجون إلى الماء، فيبارك الله ببركة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فيما عندهم من الماء، فيتحول القليل كثيرا.

وسأذكر لكم من النصوص الدالة على ذلك ما تقر به أعينكم، وتعلمون أن من حصل منه كل هذا، وأمام كل تلك الجموع، وبكل تلك الأسانيد، يستحيل أن يكون كاذبا:

آبار وعيون:

فمن بركاته صلى الله عليه وآله وسلم على الآبار والعيون بركاته صلى الله عليه وآله وسلم على بئر بتبوك، وذلك فيما حدث به معاذ بن جبل، حيث ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في غزوة تبوك: (إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي)

قال معاذا: فجئنا، وقد سبق إليها رجلان، والعين مثل الشراك تبض بشئ من ماء، فسألهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (هل مسيتما من مائها شيئا؟) قالا: نعم، فاشتد عليهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال لهما ما شاء الله أن يقول.

ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شئ، ثم غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجهه ويديه، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير، فاستقى الناس، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا معاذ، يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ماء ههنا قد ملئ جنانا)([130])

ومن ذلك ما ورد من بركاته صلى الله عليه وآله وسلم على بئر بقباء، فعن يحيى بن سعيد أن أنس بن مالك آتاهم بقباء، فسأله عن بئر هناك، قال: فدللته عليها فقال: لقد كانت هذه، وإن الرجل لينضح على حماره فتنزح، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمر بذنوب، فسقى، فإما أن يكون توضأ منه، وإما أن يكون تفل فيه، ثم أمر به، فأعيد في البئر، فما نزحت بعد([131]).

ومن ذلك ما ورد من بركاته صلى الله عليه وآله وسلم على بئر باليمن، فعن زياد بن الحارث الصدائي قال: قلت: يا رسول الله، إن بئرنا إذا كان الشتاء وسعنا ماؤها واجتمعنا عليها، وإذا كان في الصيف قل ماؤها وتفرقنا عن مياه حولنا، وقد أسلمنا وكل من حولنا لنا عدو، فادع الله لنا في بئرنا، فيسقينا ماؤها، فنجتمع عليها، ولا نتفرق.

فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسبع حصيات، فعركهن بيده، ودعا فيهن، ثم قال: (اذهبوا بهذه الحصيات، فإذا أتيتم البئر فألقوا واحدة واحدة، واذكروا اسم الله عز وجل)، قال: ففعلنا ما قال لنا، فما استطعنا أن ننظر إلى قعرها (يعني البئر)([132]).

ومن ذلك ما ورد من بركاته صلى الله عليه وآله وسلم على بئر أنس، فعن أنس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منزلنا، فسقيناه من بئر كانت لنا في دارنا، وكانت تسمى في الجاهلية (النزور) فتفل فيها فكانت لا تنزح بعد.

ومن ذلك ما ورد من بركاته صلى الله عليه وآله وسلم على بئر الحديبية، فعن البراء وسلمة بن الاكوع قالا: قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحديبية، ونحن أربع عشرة مائة، والحديبية بئر، فنزحناها، فلم نترك فيها قطرة، فقعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على شفيرها، قال البراء: وأتي بدلو فيه ماء فبصق ودعا، ثم قال: (دعوها ساعة) وقال سلمة: فجاشت، فأرووا أنفسهم وركابهم بالماء، فسقينا واستقينا)([133])

ومن ذلك ما ورد من بركاته صلى الله عليه وآله وسلم على بئر غرس([134])، فعن أنس قال: جئنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى قباء، فانتهى إلى بئر غرس، وإنه ليستقى منه على حمار، ثم نقوم عامة النهار ما نجد فيها ماء، فمضمض في الدلو ورده، فجاشت بالرواء([135]).

تكثير الماء:

ومن بركاته صلى الله عليه وآله وسلم المرتبطة بالمياه تكثيره الماء القليل، فيكفي الجمع الكثير، وقد حصل ذلك مرات كثيرة:

ومنها ما حدث به أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان في سفر، فقال لأبي قتادة: (أمعكم ماء؟)، قلت: نعم، في ميضاة فيها شئ من ماء، قال: (ائت بها)، قال: فأتيته بها، فقال لأصحابه: (تعالوا مسوا منها فتوضئوا)، وجعل يصب عليهم، فتوضأ القوم، وبقيت جرعة، فقال: (يا أبا قتادة، احفظها، فإنها ستكون لها نبأ)

فذكر الحديث إلى أن قال: فقالوا: يا رسول الله، هلكنا عطشنا، انقطعت الاعناق، فقال: (لا هلك عليكم)، ثم قال: (يا أبا قتادة، ائت بالميضاة)، فأتيته بها، فقال: (أطلقوا لي غمري) - يعني قدحي - فحللته فأتيته به، فجعل يصب فيه ويسقي الناس، فازدحم الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أيها الناس أحسنوا الملا، فكلكم سيروى)

فشرب القوم، وسقوا دوابهم وركابهم وملئوا ما كان معهم من إداوة وقربة ومزادة حتى لم يبق غيري وغيره، قال: (اشرب يا أبا قتادة)، قلت: اشرب أنت يا رسول الله، قال: (ساقي القوم آخرهم شربا)، فشربت، وشرب بعدي، وبقي في الميضاة نحو مما كان فيها وهم يومئذ ثلاثمائة([136]).

ومنها ما حصل في غزوة هوازن، وذلك فيما حدث به سلمة بن الاكوع، فقال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هوازن فأصابنا جهد شديد فأتى بشئ من ماء في إداوة، فأمر بها فصبت في قدح، فجعلنا نتطهر حتى تطهرنا جميعا.

وفي لفظ: فأفرغها في قدح فتوضأنا كلنا ندغفقه دغفقة([137]) وكنا أربع عشرة مائة([138]).

ومنها ما حدث به عمران بن حصين قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر، فاشتكى إليه الناس العطش، فنزل ثم دعا عليا، ورجلا آخر([139])، فقال: (اذهبا فابغيا الماء فإنكما ستجدان امرأة بمكان كذا وكذا معها بعير عليه مزادتان ([140]) فأتيا بها)، فانطلقا فلقيا امرأة بين مزادتين من ماء على بعير لها، فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة، فقالا لها: انطلقي إذا، قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالت: الذي يقال له الصابئ؟ قالا: هو الذي تعنين ([141])، فانطلقا فجاءا بها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحدثاه بالحديث، قال: فاستنزلوها عن بعيرها ودعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإناء، فأفرغ فيه من أفواه المزادتين، فمضمض في الماء، وأعاده في أفواه المزادتين، وأوكأ أفواههما، وأطلق الغرارتين، ونودي في الناس: (اسقوا، واستقوا)، فسقى من شاء، واستقى من شاء، وملأنا كل قربة معنا وإداوة، وهي قائمة تنظر ما يفعل بمائها وأيم الله، لقد أقلع عنها، وإنها ليخيل إليها أنها أشد ملئة منها حيث ابتدأ فيها فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اجمعوا لها طعاما)، فجمعوا لها ما بين عجوة ودقيقة وسويقة حتى جمعوا لها طعاما، فجعلوه في ثوب، وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، وقالوا لها: تعلمين ما رزأنا من مائك شيئا، ولكن الله هو الذي أسقانا.

فجاءت المرأة أهلها فأخبرتهم، فقالت: جئتكم من أسحر الناس، أو إنه لرسول الله حقا، قال: فجاء أهل ذلك الحواء ([142]) حتى أسلموا كلهم([143]).

نبع الماء:

ومن بركاته صلى الله عليه وآله وسلم المرتبطة بالمياه ما وردت به النصوص الكثيرة المتواترة من نبع الماء على يده الشريفة إما من الأرض، أو من بين أصابعه الشريفة:

أما من الأرض، فمما ورد في ذلك من الروايات ما حدث به خديج بن سدرة بن علي السلمي من أهل قباء عن أبيه عن جده قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى نزلنا القاحة وهي التي تسمى اليوم السقيا، لم يكن بها ماء، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى مياه بني غفار على ميل من القاحة، ونزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صدر الوادي، واضطجع بعض أصحابه ببطن الوادي، فبحث بيده في البطحاء فنديت فجلس ففحص، فانبعث عليه الماء، فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسقى واستقى جميع من معه حتى اكتفوا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (هذه سقيا سقاكموها الله عز وجل) فسميت السقيا([144]).

وأما من بين أصابعه الشريفة، فقد بلغ من الكثرة ما وصل به حد التواتر ([145])، وسأذكر لكم منه ما تقر به أعنيكم، وتعلمون أن من قدر على هذا يستحيل أن يكون مدعيا، فبركات الله لا تتنزل إلا على الصادقين من عباد الله:

فمما روي من ذلك ما حدث به أنس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالزوراء، وحانت صلاة العصر، والتمس الناس الوضوء فلم يجدوا ماء، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بوضوء، فوضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده في ذلك الاناء، فحين بسط يده فيه فضم أصابعه فأمر الناس أن يتوضأوا منه، فرأيت الماء ينبع من بين أصابع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتوضأوا من عند آخرهم.

قال قتادة: قلت لانس: كم كنتم؟ قال: كنا زهاء ثلثمائة([146]).

ومن ذلك ما حدث به عبد الله بن مسعود قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس معنا ماء، فقال: اطلبوا من معه فضل ماء، فأتى بماء فوضعه في إناء، فوضع يده فيه، فجعل الماء يجري ـ وفي لفظ يخرج من بين أصابعه ـ ثم قال: (حي على الطهور المبارك، البركة من الله) فتوضأوا وشربوا، قال عبد الله: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل)([147])

ومن ذلك ما حدث به أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج ذات يوم لبعض مخارجه، معه ناس من أصحابه، فانطلقوا يسيرون، فحضرت الصلاة فلم يجد القوم ماء يتوضئون به، فقالوا: يا رسول الله، والله ما نجد ماء نتوضأ به، ورأى في وجوه أصحابه كراهية ذلك، فانطلق رجل من القوم، فجاء بقدح فيه ماء يسير، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتوضأ منه، ثم مد أصابعه الاربع في القدح، ثم قال: (هلموا فتوضأوا)، فتوضأ القوم حتى بلغوا ما يريدون، قال الحسن: سئل أنس كم بلغوا؟ قال: سبعين أو ثمانين([148]).

ومن ذلك ما حدث به زياد بن الحارث، فذكر أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر، فقال له: (هل معك من ماء؟)، فقلت: لا إلا شئ قليل لا يكفيك، فقال: (اجعله في إناء وائتني به)، ففعلت فوضع كفه في الماء، فرأيت الماء بين أصبعين من أصابعه عينا تفور، فقال: (ناد في أصحابي من كان له حاجة في الماء)، فناديت فيهم فأخذ من أراد منهم([149]).

ومن ذلك ما حدث به جابر بن عبد الله قال: عطش الناس يوم الحديبية، وكان الذي بين يديه ركوة يتوضأ منها وجهش الناس نحوه، قال: (مالكم؟) قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ به، ولا ماء نشربه إلا ما بين يديك، فوضع يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا، قال سالم: قلت لجابر: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة([150]).

ومن ذلك ما حدث به أبو قتادة، قال: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نسير في الجيش إذ لحقهم عطش كاد يقطع أعناق الرجال والخيل والركاب عطشا، فدعا بركوة فيها ماء فوضع أصابعه عليها، فنبع الماء من بين أصابعه، فاستقى الناس، وفاض الماء حتى رووا خيلهم وركابهم، وكان من العسكر اثنا عشر ألف بعير، والناس ثلاثون ألفا، والخيل اثنا عشر ألف فرس([151]).

ومن ذلك ما حدث به ابن عباس قال: أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم، وليس في العسكر ماء، فقال رجل: يا رسول الله، ليس في العسكر ماء، قال: هل عندك شئ؟ قال: نعم فأتي بإناء فيه شئ من ماء فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصابعه في الاناء وفتح أصابعه، قال: فرأيت العيون تنبع من بين أصابع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأمر بلالا ينادي في الناس بالوضوء المبارك([152]).

ومن ذلك ما حدث به ابن عباس أيضا، قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلالا، فطلب الماء، فقال: لا والله ما وجدت، قال: (هل من شئ؟)، فأتاه بشئ فبسط كفه فيه، فأنبعث تحت يده عين، فكان ابن مسعود يشرب وغيره يتوضأ([153]).

ومن ذلك ما حدث به أبو ليلى الأنصاري، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر، فأصابنا عطش، فشكونا إليه، فأمره بحفرة فوضع عليها نطعا، ووضع يده عليها، وقال: (هل من ماء؟)، فأتي بماء، فقال لصاحب الإداوة: (صب الماء على كفي، واذكر اسم الله)، ففعل.

قال أبو ليلى: (فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى روى القوم وسقى ركابهم)([154])

ومن ذلك ما حدث به جابر أيضا قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن يومئذ بضع عشرة ماء، فحضرت الصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (وهل في القوم من ماء؟)، فجاءه ماء وعبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قدح، وتوضأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأحسن الوضوء، ثم انصرف وترك القدح فركب الناس القدح وقالوا: تمسحوا تمسحوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (على رسلكم) حين سمعهم يقولون ذلك، قال: فوضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كفه في الماء ثم قال: (سبحان الله)، ثم قال: (أسبغوا الوضوء)

قال جابر: والذي ابتلاني ببصري، فلقد رأيت العيون عيون الماء يومئذ تخرج من بين أصابع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فما رفعهما حتى توضأوا أجمعون([155]).

ومن ذلك ما حدث به جابر أيضا، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له في غزوة ذات الرقاع: (يا جابر، ناد بوضوء)، فقلت: ألا وضوء، ألا وضوء، قلت: يا رسول الله، ما وجدت في الركب من قطرة، وكان رجل من الانصار يبرد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الماء، فقال لي: (انطلق إلى فلان الأنصاري، فانظر هل في أشجابه من شئ)، فانطلقت إليه، فنظرت فيها فلم أجد فيها إلا قطرة من عزلاء شجب منها لو أني أفرغه لشربة يابسة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته فقال: (إذهب فأتيني به، فذهبت فأتيته به فأخذه بيده فجعل يتكلم بشئ لا أدري ما هو، ويغمزه بيده، ثم أعطانيه، فقال: (يا جابر، ناد بجفنة الركب)، فقلت: يا جفنة الركب، فأتيته بها فوضعت بين يدي رسول الله، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده في الجفنة هكذا، فبسطها في الجفنة وفرق بين أصابعه ثم وضعها في قعر الجفنة وقال: (خذ يا جابر، فصب علي، وقل: (بسم الله)، فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، ففارت الجفنة، ودارت حتى امتلات، فقال: (يا جابر، ناد من كانت له حاجة بماء)، فأتى الناس، فاستقوا حتى رووا ورفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده من الجفنة، وهي ملأى([156]).

ومن ذلك ما حدث به أبو رافع، حيث ذكر أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر، فقال: (يا قوم كل رجل يلتمس من إداوته)، فلم يجدوا غير واحد في إناء، ثم قال: (توضئوا)، فنظرت إلى الماء وهو يفور من بين أصابع النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى توضأ الركب أجمعون، ثم جمع كفيه فما خلتها إلا النطفة التي صب أول مرة([157]).

ومن ذلك ما ما حدث به أبو عمرة الانصاري قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة غزاها، وأصاب الناس مخمصة، ثم دعا بركوة، فوضعت بين يديه، ثم دعا بماء، وصبه فيها، ثم مسح فيها بما شاء الله أن يتكلم، ثم أدخل خنصره فيها، فأقسم بالله لقد رأيت أصابع النبي صلى الله عليه وآله وسلم تفجر ماء مع الماء، ثم أمر الناس فشربوا وملأوا قربهم وإداوتهم، فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى بدت نواجذه، ثم قال: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد عبده ورسوله لا يلقى الله بهما أحد يوم القيامة إلا دخل الجنة)([158])

ومن ذلك ما حدث به حبان بن بح الصدائي قال: كفر قومي، فأخبرت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جهز جيشا لهم، فأتيته، فقلت: إن قومي على الاسلام، قال: كذلك، قلت: نعم، واتبعته ليلتي إلى الصباح، فأذنت بالصلاة لما أصبحت وأعطاني إناء فتوضأت منه، فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصابعه في الاناء فنبع عيون، فقال: (من أراد منكم أن يتوضأ، فليتوضأ)، فتوضأت وصليت فأمرني عليهم وأعطاني صدقتهم، فقال رجل: يا رسول الله إن فلانا ظلمني فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا خير في الإمارة لرجل مسلم)، ثم جاء رجل يسأل الصدقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الصدقة صداع في الرأس وحريق في البطن أو داء)، فأعطيته صحيفتي أو صحيفة أمرتي وصدقني، فقال: (ما شأنك؟)، فقلت: كيف أقبلها وقد سمعت منك ما سمعت فقال: (هو ما سمعت)([159])

عذوبة الماء:

ومما ورد في النصوص من عذوبة المياه المالحة ما حدث به همام بن نقيد السعدي قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: يا رسول الله: حفرنا لنا بئرا، فخرجت مالحة، فدفع إلي إداوة فيها ماء، فقال: (صبه)، فصببته فيها، فعذبت فهي أعذب ماء بئر باليمن([160]).

***

ما وصل عبد القادر من حديثه إلى هذا الموضع حتى صاح الجمع الملتفين حوله بالتكبير، ثم تقدموا منه طالبين أن يبين لهم كيفية الاتصال بهذا النبي المبارك.

لم يجد بولس إلا أن يسير، وأسير خلفه، وقد حملت معي بصيصا جديدا من النور، اهتديت به بعد ذلك إلى شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

ثالثا ـ دعوات

في اليوم الثالث..

طلب مني بولس أن نذهب إلى مستشفى موجود في حي قريب من ذلك الحي الذي نقيم يه.

قلت: كيف بدا لك أن تقطع تدريبي لتزور المرضى.. أم أن لك مريضا معينا تريد أن تعوده؟

قال: لا.. لا أعرف أي مريض في ذلك المستشفى، اللهم إلا المتمارض الذي سيتولى إعانتي في الوظيفة التي سأزور ذلك المستشفى من أجلها.

قلت: متمارض.. ما الذي جعله يتمارض؟

قال: لم أجعله أنا.. هو الذي اقترح علي ذلك.. وهو على العموم لا يكذب في ادعائه، فمن الصحيح في هذه الأيام؟.. فكل الناس مرضى.. إن لم تمرض أجسادهم، فقلوبهم ونفوسهم مملوءة مرضا.

قلت: فأنت تريد أن تذهب لتبشير المرضى إذن؟

قال: إن تبشير المرضى أسلوب قديم من أساليب التبشير.. لقد مارسه المسيح.. ومارسه كل من بعده.

بل إن المسيح أعطى لأتباعه هذه القدرة على الشفاء وإخراج الشياطين، وبذلك سار الرسل والقديسون بين الناس يشفونهم، ويخرجون منهم الشياطين، ويدعون لهم.

وصلنا إلى المستشفى، وهناك وجدنا قاعة كبيرة تضم الكثير من المرضى، وكأنهم حضروا لزيارتنا، وكان من بينهم ذلك الرجل المتمارض الذي كان يعمل معينا لبولس، والذي ما إن رآنا حتى ارتمى ساقطا مصروعا يتخبط.

هرع إليه من حوله، محاولا إفاقته، ولكنه لم يستفق.

جاء بعض المسلمين، وراح يقرأ القرآن، فلم يزد حاله إلا سوءا.

أما الممرضون البسطاء الذين كانوا في مستشفى يخلو من أكثر وسائل العلاج، فلم يجدوا ما يفعلوه، فتركوا للمحيطين به التصرف وفق ما تعودوا عليه.

وهنا، وفي ذلك الموقف الأليم الذي لم يجد الكل فيه أي حل، تدخل بولس المنقذ الذي جاء يمثل دور المسيح.

تقدم بولس من الرجل، وشهر أمام وجهه صليبه الصغير، وقال: أيتها الشياطين، اخرجي باسم المسيح.

تحرك الرجل حركة عنيفة مثلها أحسن تمثيل، فقال بولس: إني آمرك أيتها الشياطين أن تخرجي باسم الرب المسيح.

وهنا نطق الرجل بلسان غريب، وقال: سمعا وطاعة لربي المسيح.. فلا أخرج إلا باسمه.

ما إن قال ذلك حتى تحرك حركة عنيفة، ثم قام نشيطا، وكأنه نشط من عقال.

لقد أدى دوره بإتقان عظيم، ولولا أني أعرفه، وأعرف الدور الذي كلف به، لانبهرت مثل الجميع بما حصل منه.

استغل بولس ذلك الانبهار، وتلك الوجوه التي تنظر إليها، وكأنه المنقذ الذي نزل عليها من السماء، فراح يقول: لا تنظروا إلي ـ أيها الإخوان الفضلاء ـ فلست سوى عبد حقير لربه المسيح..

إن هذه السلطة سلطة ممنوحة لكل من أحب المسيح، وأخلص للمسيح.

أنتم مرضى، ولا شك أنكم تحتاجون إلى طبيب.. أتعلمون من هو الطبيب الأعظم.

سكتوا منتظرين جوابه، فقال: الطبيب الأعظم هو المسيح.. وليس هناك غير المسيح.

لئن كان بعض الأنبياء استطاعوا بقوَّة اللَّه أنْ يُشفوا أحد المرضي أو بعض المرضي من أحد الأمراض أو بعض الأمراض فقد كان المسيح يشفي كل المرضي من جميع الأمراض مهما كانت، فهو الطبيب الشافي الأعظم الذي شفي جميع المرضي الذين قدُموا إليه من جميع الأمراض.

لقد ذكر الكتاب المقدس أنه عندما أرسل يوحنا المعمدان اثنين من تلاميذه يسألان الرب يسوع المسيح إن كان هو المسيح الآتي (فأجاب يسوع: (اذهبا وأخبرا يوحنا بما رأيتما وسمعتما: إن العمي يبصرون والعرج يمشون والبرص يطهرون والصم يسمعون والموتى يقومون والمساكين يبشرون) (لوقا: 7/22)

لقد شفى المسيح جميع المرضي الذين قدموا إليه من جميع الأمراض مهما كانت أنواع أمراضهم ومهما كان عددهم، ولأزيد من يقينكم بما ذكرت، سأذكر لكم نماذج لبعض المرضى الذين شفاهم المسيح، والأمراض التي شفوا منها:

فمن الأمراض التي شفاها المسيح، الحمى، فقد شفى ابن خادم الملك الذي كان مريضا بالحمي، وطلب من الرب يسوع المسيح أن يذهب إلي بيته ليشفيه، فقال له: (اذهب. ابنك حي)، فشفي ابنه في تلك اللحظة([161]).

كما شفي حماة سمعان أيضا: (وكانت حماة سمعان قد أخذتها حمى شديدة. فسألوه من أجلها. فوقف فوقها وانتهر الحمى فتركتها! وفي الحال قامت وصارت تخدمهم)(لوقا: 4/38- 39)

ومن الأمراض الخطيرة التي شفاها داء الشلل، فقد شفى المسيح مقعدين ومفلوجين؛ فقد شفي مريض بركة بيت حسدا الذي أقعده المرض في الفراش مدة ثمان وثلاثين سنة عندما قال له: (قم. احمل سريرك وامش). فحالا برئ الإنسان وحمل سريره ومشى)([162])

وشفى مفلوجا من مرض الفالج عندما أمره قائلا: (قم احمل فراشك واذهب إلى بيتك!) فقام ومضى إلى بيته) (متى:9/6-7)

وشفى عبد قائد المئة من الفالج، وكان قائد المئة هذا يؤمن أن المسيح يستطيع أن يشفي عبده بكلمة دون أن يذهب إليه: (يا سيد لست مستحقا أن تدخل تحت سقفي لكن قل كلمة فقط فيبرأ غلامي)، فشفي غلامه في تلك الساعة([163]).

وشفى رجلا يده يابسة فقال له: (مد يدك)، فمدها. فعادت صحيحة كالأخرى) (متى:12/13)

أما إخراج الشياطين والأرواح النجسة؛ فقد كان يخرج الشياطين بكلمة الأمر منه، وكانت الشياطين عندما تراه تصرخ مرتاعة ومرتعبة وتتوسل إليه أن لا يرسلها إلي الجحيم قبل الموعد، يقول الكتاب: (وكان في المجمع رجل به روح شيطان نجس فصرخ بصوت عظيم: (آه ما لنا ولك يا يسوع الناصري! أتيت لتهلكنا! أنا أعرفك من أنت: قدوس الله). فانتهره يسوع قائلا: (اخرس واخرج منه)، فصرعه الشيطان في الوسط وخرج منه ولم يضره شيئا. فوقعت دهشة على الجميع وكانوا يخاطبون بعضهم بعضا قائلين: (ما هذه الكلمة! لأنه بسلطان وقوة يأمر الأرواح النجسة فتخرج) (لوقا: 4/33-36)

وأخرج الشيطان من أخرس مجنون: (وفيما هما خارجان إذا إنسان أخرس مجنون قدموه إليه. فلما أخرج الشيطان تكلم الأخرس فتعجب الجموع قائلين: (لم يظهر قط مثل هذا في إسرائيل!)(متى: 9/23-33)

وأخرج عددا كبيرا من الشياطين من مجنون كورة الجدريين: (ولما خرج إلى الأرض استقبله رجل من المدينة كان فيه شياطين منذ زمان طويل وكان لا يلبس ثوبا ولا يقيم في بيت بل في القبور. فلما رأى يسوع صرخ وخر له وقال بصوت عظيم: (ما لي ولك يا يسوع ابن الله العلي! أطلب منك أن لا تعذبني) لأنه أمر الروح النجس أن يخرج من الإنسان.. فسأله يسوع: (ما اسمك؟) فقال: (لجئون). لأن شياطين كثيرة دخلت فيه. وطلب إليه أن لا يأمرهم بالذهاب إلى الهاوية.. فخرجت الشياطين من الإنسان ودخلت في الخنازير)(لوقا: 8/27-32)

وشفى ابنة امرأة فينيقية سورية من الجنونن كما في (مرقس:7/24-30)

وشفى امرأة بها روح ضعف: (وإذا امرأة كان بها روح ضعف ثماني عشرة سنة وكانت منحنية ولم تقدر أن تنتصب البتة. فلما رآها يسوع دعاها وقال لها: (يا امرأة إنك محلولة من ضعفك). ووضع عليها يديه ففي الحال استقامت ومجدت الله)(لوقا: 13/11-13)

وشفى غلاما به روح شيطان كان الشيطان يصرعه ويمزقه: (فانتهره يسوع فخرج منه الشيطان)(متى: 17/17- 18)

وفوق هذا كله، فقد شفى المسيح البرصى، وطهرهم من برصهم، وقد ذكر الكتاب المقدس حديث هذا الأبرص: (وإذا أبرص قد جاء وسجد له قائلا: (يا سيد إن أردت تقدر أن تطهرني). فمد يسوع يده ولمسه قائلا: (أريد فاطهر). وللوقت طهر برصه) (متى: 8/2- 3)

كما ذكر الكتاب المقدس شفاء عشرة برص آخرين: (وفيما هو داخل إلى قرية استقبله عشرة رجال برص فوقفوا من بعيد وصرخوا: (يا يسوع يا معلم ارحمنا). فنظر وقال لهم: (اذهبوا وأروا أنفسكم للكهنة). وفيما هم منطلقون طهروا)(لوقا: 17/12-14)

ويذكر الكتاب المقدس أن المسيح فتح أعين العميان بمجرد لمس أعينهم، كما حدث مع أعميين: (حينئذ لمس أعينهما قائلا: (بحسب إيمانكما ليكن لكما)(متى: 9/27-31)، وشفى أعمي في بيت صيدا كما في (مرقس: 8/2-26)

والأخطر من ذلك كله أنه شفي مولودا أعمي بعد أن خلق له عينين من طين: (تفل على الأرض وصنع من التفل طينا وطلى بالطين عيني الأعمى. وقال له: (اذهب اغتسل في بركة سلوام). الذي تفسيره مرسل. فمضى واغتسل وأتى بصيرا)(يوحنا:9/6- 7)، فهذا يدل على أنه خلق له عينين من طين كما خلق آدم من تراب الأرض.

وشفي بارتيماوس الأعمي، وأعمي آخر كان معه، وكانا يصرخان لكي يشفيهما بلمس أعينهما، يقول الكتاب: (فتحنن يسوع ولمس أعينهما فللوقت أبصرت أعينهما فتبعاه)([164])

وشفى ـ إلى جانب هذا كله ـ أمراضا كثيرة أخرى مثل شفاء المرأة النازفة الدم: (وامرأة بنزف دم منذ اثنتي عشرة سنة وقد أنفقت كل معيشتها للأطباء ولم تقدر أن تشفى من أحد) لأنها قالت في نفسها: (إن مسست ثوبه فقط شفيت)(متى: 9/21). ففي الحال وقف نزف دمها. فقال يسوع: (من الذي لمسني!)000 (قد لمسني واحد لأني علمت أن قوة قد خرجت مني)(لوقا: 8/43-48)

وشفى أصم أعقد بأن (وضع أصابعه في أذنيه وتفل ولمس لسانه ورفع نظره نحو السماء وأن وقال له: (إفثا). أي انفتح. وللوقت انفتحت أذناه وانحل رباط لسانه وتكلم مستقيما)(مرقس: 7/33-35)

وشفى مريضا بالإستسقاء (فأمسكه وأبرأه وأطلقه)(لوقا: 14/1-4)

هذه نماذج قليلة لما صنعه الرب يسوع المسيح من كم كبير لا يمكن حصره لم يدون في الإنجيل تفصيلا، وإن كان يذكر بصورة إجمالية، يقول القديس يوحنا بالروح (وآيات أخر كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تكتب في هذا الكتاب)(يوحنا: 20/30)، (وأشياء أخر كثيرة صنعها يسوع إن كتبت واحدة واحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة) (يوحنا:21/25)

فقد شفى جميع المرضي الذين قدموهم إليه من جميع أنواع الأمراض مهما كان عددهم ومهما كانت أنواع هذه الأمراض (فأرسلوا إلى جميع تلك الكورة المحيطة وأحضروا إليه جميع المرضى وطلبوا إليه أن يلمسوا هدب ثوبه فقط. فجميع الذين لمسوه نالوا الشفاء) (متى: 14/35-36)

وفي مرقس: (ولما صار المساء إذ غربت الشمس قدموا إليه جميع السقماء والمجانين. وكانت المدينة كلها مجتمعة على الباب. فشفى كثيرين كانوا مرضى بأمراض مختلفة وأخرج شياطين كثيرة ولم يدع الشياطين يتكلمون لأنهم عرفوه)(مرقس:1/32-34)

وفي متى: (فجاء إليه جموع كثيرة معهم عرج وعمي وخرس وشل وآخرون كثيرون وطرحوهم عند قدمي يسوع. فشفاهم) (متى: 15/30)، وفيه: (ولما صار المساء قدموا إليه مجانين كثيرين فأخرج الأرواح بكلمة وجميع المرضى شفاهم) (متى: 8/16)، وفيه: (فذاع خبره في جميع سورية. فأحضروا إليه جميع السقماء المصابين بأمراض وأوجاع مختلفة والمجانين والمصروعين والمفلوجين فشفاهم)(متى: 4/24)، وفيه: (وتبعته جموع كثيرة فشفاهم جميعا)(متى: 12/15)، وفيه: (فجاء إليه جموع كثيرة معهم عرج وعمي وخرس وشل وآخرون كثيرون وطرحوهم عند قدمي يسوع. فشفاهم)(متى: 30/15)، وفيه: (وتقدم إليه عمي وعرج في الهيكل فشفاهم)(متى:21/14)، وفيه: (لأنه كان قد شفى كثيرين حتى وقع عليه ليلمسه كل من فيه داء)(مرقس: 3/10)، وفيه: (وفي تلك الساعة شفى كثيرين من أمراض وأدواء وأرواح شريرة ووهب البصر لعميان كثيرين) (لوقا: 7/21)

ما إن وصل بولس بحديثه إلى هذا الموضع حتى صاح أجيره المتمارض، وقال: شكرا لربي المسيح الذي شفاني.. لولا ربي المسيح لكنت الآن تحت رحمة الشياطين الذين استعمروني.. آمنوا يا جماعة بالرب المسيح، فإنه لن ينقذكم من عللكم إلا هو.

لقد رأيتم كيف أبت الشياطين أن تخرج لسماعها القرآن، ولكنها ما إن رأت الصليب، وسمعت اسم المسيح حتى راحت هاربة من جسدي.

لست أدري كيف ظهر من بين الجمع عبد الحكيم الذي راح يقول لأجير بولس: أقدر لك ـ يا أخي ـ إيمانك بالمسيح.. ولكني مع ذلك أريد أن أصحح لك خطأين أوقعك فيهما الوهم.

أما الأول، فهو تصورك أن من سكنك هم الشياطين، وهذا خطأ عظيم، فلم يجعل الله للشيطان على الإنسان إلا سلطانا واحدا هو سلطان الوساوس التي يبثه في النفس، فيملأها بالقنوط والكآبة والحزن.

فالقرآن يقرر أن المس الذي يمس به الشيطان الإنسان لا يعدو الوساوس التي يلقيها، فتملأ القلوب هما وحزنا، وقد يمتد تأثيرها إلى الجوارح مرضا وأنينا، وقد يكون محل الوسوسة مريضا مستعدا لحصول الصرع، فيصرع ويتخبط، لتأثير تلك الوساوس على نفسه، بل هو يتخبط لأي وساوس من الجن أو من الإنس.

 

وقد ذكر القرآن الكريم بعض هذه الوساوس التي يلقيها الشياطين، فذكر أن منها التخويف من الفقر، والأمر لذلك بالفحشاء، قال تعالى:﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾(البقرة:268)

ويبين القرآن الكريم الغاية الكبرى من وساوس الشيطان، وهي الإضلال وتوابعه، فيقول:﴿ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾(النساء: 60)، ويقول:﴿ وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (الزخرف:62)

 أجير بولس: كيف تزعم ذلك؟ وها أنت ترى بأن القرآن لم يفعل شيئا أمام الشياطين التي حاولت أن تستولي علي حتى جاء هذا الرجل بصليبه، فخلصني منها.

ابتسم عبد الحكيم، وقال: إن هذا المرض الذي قد يكون أصابك مرض من الأمراض، له نوبة تعتري صاحبها بأسباب خاصة، ولها على كل حال مدة محدودة، سواء قرأت عليها القرآن، أو قرأت عليها الإنجيل، أو قرأت كتب الهنود والصينيين، فسوف ترتفع بعد ارتفاع سببها.